دخلت السنغال، مساء الجمعة، على وقع تطور سياسي غير مسبوق، بعدما أعلن الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي إقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل الحكومة بشكل كامل، في خطوة مفاجئة أعادت إلى الواجهة مؤشرات التوتر المتصاعد داخل قمة السلطة، وفتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل التجربة السياسية الجديدة التي قادت المعارضة إلى الحكم قبل أشهر قليلة فقط.
وجاء الإعلان عن القرار الرئاسي في وقت متأخر من مساء الجمعة، عبر مرسوم رسمي تلاه الأمين العام للحكومة والمساعد الرئاسي عمر سامبا با، خلال بث مباشر على التلفزيون الرسمي، حيث أكد أن الرئيس باسيرو ديوماي فاي قرر “إنهاء مهام عثمان سونكو، وبالتالي مهام الوزراء وكتاب الدولة الأعضاء في الحكومة”، ما يعني بشكل تلقائي إسقاط الحكومة والدخول في مرحلة إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.
ويأتي هذا القرار في سياق سياسي دقيق تعيشه السنغال، بعدما تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات الخلاف بين الرجلين اللذين شكلا، إلى وقت قريب، أحد أبرز الثنائيات السياسية في غرب إفريقيا، عقب قيادتهما المعارضة ضد نظام الرئيس السابق ماكي سال.
ورغم محاولات الطرفين في وقت سابق التقليل من حجم التوترات، فإن الخلافات السياسية والتنظيمية بين الرئاسة ورئاسة الحكومة بدأت تطفو إلى السطح بشكل متسارع، خصوصا مع تباين المواقف حول تدبير عدد من الملفات الاقتصادية والسياسية الحساسة، إضافة إلى الصراع غير المعلن حول مراكز النفوذ داخل الدولة.
السينغال .. تحالف المعارضة يتحول إلى صراع داخل السلطة
وكان عثمان سونكو قد عُيّن رئيسا للحكومة في أبريل 2024، بعد ساعات قليلة فقط من تنصيب باسيرو ديوماي فاي رئيسا للبلاد، في مشهد اعتبر آنذاك تتويجا لتحالف سياسي قاد المعارضة السنغالية إلى الحكم بعد سنوات من المواجهة مع السلطة السابقة.
وشكل الرجلان معا رمزا للمعارضة الشبابية في السنغال، بعدما تعرضا للملاحقة القضائية والسجن خلال فترة حكم الرئيس السابق، كما تحولا إلى عنوان بارز للمطالبة بالإصلاح السياسي ومحاربة الفساد وإعادة توزيع السلطة والثروة داخل البلاد.
غير أن هذا التحالف الذي بدا متماسكا في بدايته، سرعان ما دخل مرحلة من البرود السياسي، خاصة بعدما بدأت تظهر اختلافات واضحة في طريقة إدارة الدولة وتوزيع الصلاحيات بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الحكومة.
كما ازدادت حدة التوتر عقب بروز معسكرات سياسية وإدارية محسوبة على كل طرف داخل أجهزة الدولة والحزب الحاكم، الأمر الذي خلق حالة من الاستقطاب الداخلي وأضعف الانسجام الحكومي الذي وعدت به السلطة الجديدة عند وصولها إلى الحكم.
من السجن إلى الحكم.. قصة صعود استثنائية انتهت بالقطيعة
وتحمل العلاقة بين باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو طابعا استثنائيا في المشهد السياسي السنغالي، بالنظر إلى المسار المشترك الذي جمعهما خلال سنوات المعارضة.
فقد كان سونكو المرشح الأبرز للانتخابات الرئاسية الأخيرة، قبل أن يتم استبعاده بسبب حكم قضائي نهائي صدر بحقه في قضية تشهير، الأمر الذي دفع المعارضة إلى تقديم باسيرو ديوماي فاي كمرشح بديل من داخل السجن، في خطوة غير مسبوقة لاقت تعاطفا شعبيا واسعا.
ونجح فاي لاحقا في الفوز بالانتخابات الرئاسية، مستفيدا من الشعبية الكبيرة التي كان يحظى بها سونكو، فضلا عن موجة الغضب الشعبي ضد النظام السابق، ليصل الثنائي إلى السلطة باعتباره رمزا للتغيير السياسي في البلاد.
إلا أن الأشهر الأخيرة كشفت، بحسب متابعين للشأن السنغالي، عن تصدع تدريجي داخل هذا التحالف، وسط حديث متزايد عن صراع خفي حول القرار السياسي وتوازنات الحكم، قبل أن ينفجر الوضع أخيرا بقرار الإقالة وحل الحكومة.
ويرى مراقبون أن الخطوة التي أقدم عليها الرئيس السنغالي قد تعيد رسم الخريطة السياسية داخل البلاد، كما قد تدفع نحو مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، خصوصا إذا قرر عثمان سونكو العودة إلى المعارضة أو خوض مواجهة سياسية مباشرة مع حليفه السابق.
وفي انتظار الكشف عن ملامح الحكومة المقبلة، تبقى الأنظار موجهة إلى رد فعل عثمان سونكو ومعسكره السياسي، في وقت تبدو فيه السنغال مقبلة على مرحلة سياسية دقيقة قد تعيد خلط الأوراق داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات استقرارا في غرب إفريقيا






