يكشف هذا التحقيق الميداني لجريدة “الحدث بريس” الالكترونية، عن المعادلة الصادمة في مسار تسعير البصل بالمغرب. فالثمن في مناطق الإنتاج—حيث تنتج أهم الضيعات—لا يتجاوز 4.5 دراهم للكيلوغرام، وهو سعر يبدو منطقيا بالنظر إلى كلفة الزراعة وظروف الإنتاج. لكن هذه البداية المنخفضة لا تعكس بأي حال السعر النهائي الذي يصطدم به المواطن عند الشراء.
بين الضيعة والسوق… تكلفة النقل ورسوم الجملة تشعل السعر
ويدخل البصل في المرحلة الثانية من الرحلة، مسلكا مليئا بالتكاليف: النقل من الضيعات إلى أسواق المدن الكبرى، ورسوم إدخال السلع إلى أسواق الجملة، وتكاليف المناولة والتخزين خلال عمليات التفريغ والتحميل. وهذه الرسوم ترفع السعر تدريجيا، لكنها ليست سوى جزء من المشكلة.
تجار الجملة والوسطاء… نقطة التحول في مسار الارتفاع
وتشير نتائج التحقيق إلى أن هوامش الربح التي يضيفها تجار الجملة والموزعون تمثل واحدة من أكبر النقاط السوداء في سلسلة التسويق.
فوجود وسطاء كثر بين المنتج وتاجر التقسيط يجعل الثمن يقفز تدريجيا، دون قيمة مضافة حقيقية. وهذه الطبقات المتراكمة من الوسطاء تحول البصل إلى سلعة تسعّر ثلاث مرات قبل أن تصل إلى المستهلك، في غياب مسالك توزيع قصيرة أو مراقبة فعلية للهوامش الربحية.
التقسيط… المرحلة الأخيرة والأغلى
وتتظافر مجموعة أخرى من التكاليف عند وصول البصل إلى محل البقال أو بائع التقسيط: الكراء المرتفع في بعض الأسواق الشعبية، والخسائر الناتجة عن التلف لأن البصل سلعة حساسة، وتقلبات الطلب بين الفترات العادية والمناسبات. وهنا يقفز السعر ليبلغ 13 درهما للكيلوغرام في مدن مثل وزان، أي ثلاثة أضعاف سعره الأصلي في الحقول.
عقدة الوسطاء… الخيط الذي يشد الأسعار إلى الأعلى
وأوضحت نتائج التحقيق، بأن تعدد الوسطاء يعد الحلقة الأكثر تأثيرا في صعود الأسعار. فبدلاً من انتقال البصل من المنتج إلى المستهلك عبر قناة قصيرة وشفافة، يمر عبر سلسلة من العلاقات التجارية التي تزيد السعر دون تحسين الجودة. هذا النموذج يعيد طرح سؤال مركزي: من يربح فعليا من هذه الهوامش؟ المنتج أم الموزع أم المضارب؟
المستهلك في الواجهة… والمنظومة تحتاج إلى إصلاح جذري
ويؤدي المواطن في الأخير، فاتورة سلسلة توزيع مثقلة بالتكاليف والفوضى. ويبقى السؤال مفتوحا: هل يحتاج المغرب إلى إعادة هيكلة مسالك التسويق عبر آليات حديثة، مثل التعاونيات الفلاحية الكبرى، أو البيع المباشر من المنتج للمستهلك؟ أم أن الحل يكمن في تشديد المراقبة على هوامش الأرباح داخل أسواق الجملة والتقسيط؟
وتعتبر رحلة البصل من الحقل إلى المستهلك رحلة مليئة بالتحولات السعرية غير المبررة. وبين 4.5 دراهم في الإنتاج و13 درهما في الاستهلاك، تبدو الفجوة الواسعة دليلا على خلل بنيوي في منظومة التسويق، يحتاج معالجة عاجلة قبل أن تستفحل الظاهرة أكثر.















