تشهد مالي مرحلة ميدانية دقيقة، في ظل تصعيد متسارع أعاد خلط الأوراق العسكرية عبر جبهات متعددة. فقد أعلنت جبهة تحرير أزواد استعادة السيطرة على كيدال، المعقل التاريخي للحركات الأزوادية، في عملية وُصفت بالمباغتة والسريعة، وذلك بعد أشهر من الجمود النسبي في شمال البلاد.
ويأتي هذا التطور متزامنا مع تحركات قتالية في غاو وموبتي، ما يعكس وجود تنسيق عملياتي واسع النطاق، أعاد الشمال المالي إلى قلب النزاع المفتوح. كما يشير إلى قدرة الفاعلين المسلحين على إعادة الانتشار بسرعة واستغلال الثغرات الأمنية، خاصة في المناطق ذات الحساسية الاستراتيجية.
وعلاوة على ذلك، يعيد سقوط كيدال، إن تأكد بشكل نهائي، طرح تساؤلات حول فعالية الانتشار العسكري الحكومي، وحول قدرة السلطة على الحفاظ على مواقعها في الشمال، الذي ظل لعقود مسرحا لتجاذبات سياسية وعسكرية معقدة.
مالي ..اضطراب أمني يطرق أبواب العاصمة
في المقابل، لم يقتصر التصعيد على الشمال، بل امتد بشكل لافت إلى الجنوب. حيث سمع دوي إطلاق نار صباح السبت في منطقة كاتي القريبة من باماكو، والتي تضم منشآت عسكرية حساسة، من بينها مقر إقامة رئيس المجلس العسكري أسيمي غويتا.
ووفقا لما أوردته وكالة فرانس برس، نقلا عن مصادر ميدانية وشهود، فإن أصوات إطلاق النار أثارت حالة من الترقب، خاصة أنها تأتي في سياق تصعيد متزامن مع تحركات الشمال. كما سُجلت حوادث مماثلة في غاو شمالا، وفي سيفاري وسط البلاد، دون إعلان رسمي عن الجهات المسؤولة.
في هذا السياق، ترجح مؤشرات ميدانية أن تكون جماعة جبهة نصرة الإسلام والمسلمين وراء الهجمات التي استهدفت كاتي، في تزامن لافت مع تحركات جبهة تحرير أزواد، ما يعزز فرضية “تعدد الضربات” أو استثمار اللحظة الميدانية من قبل أطراف مختلفة لتحقيق مكاسب متزامنة.
وبين هذا وذاك، تتحدث معطيات غير مؤكدة عن اعتقال وزير الدفاع ساجو كامارا. في حين تشير روايات أخرى إلى فرار الحاكم العسكري لكيدال حاجي غامو عبر مروحية. وهو ما يعكس، إن صح، حالة ارتباك داخل المؤسسة العسكرية، رغم غياب أي تأكيد رسمي حتى الآن.
سياق إقليمي معقد وخيارات سياسية مثيرة للجدل
تندرج هذه التطورات ضمن سياق نزاع ممتد منذ أكثر من عقد، تواجه فيه مالي تمردا متعدد الأبعاد. تقوده جماعات مرتبطة بتنظيمي تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. إلى جانب حركات مسلحة محلية، أبرزها الحركات الأزوادية في الشمال.
ومنذ عام 2020، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة عقب انقلابين عسكريين متتاليين. رسخا حكم المؤسسة العسكرية، بقيادة أسيمي غويتا. وفي هذا الإطار، اتجهت السلطات في باماكو إلى إعادة صياغة تحالفاتها الدولية، مبتعدة تدريجيا عن فرنسا، التي كانت الشريك الأمني الأبرز لسنوات، مقابل تعزيز التعاون مع روسيا.
وقد لعبت مجموعة فاغنر دورا محوريا في هذا التحول منذ 2021. قبل أن تعلن في 2025 إنهاء مهمتها بصيغتها السابقة، والتحول إلى كيان مرتبط مباشرة بوزارة الدفاع الروسية. في خطوة أثارت جدلا دوليا حول طبيعة الدور الروسي في الساحل.
وفي الداخل، شدد المجلس العسكري إجراءاته السياسية، حيث أقدم على حل الأحزاب وتقييد الإعلام, مع تأجيل مسار الانتقال المدني الذي كان مقررا في مارس 2024. كما منح غويتا، في يوليوز 2025، ولاية رئاسية تمتد لخمس سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات، ما زاد من حدة الانتقادات داخليا وخارجيا.
مرحلة جديدة من الصراع متعدد الجبهات في مالي
في ضوء هذه المعطيات، يعكس تزامن العمليات في الشمال والجنوب انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدا. إذ لم تعد الجبهات منفصلة جغرافيا كما في السابق، بل باتت مترابطة ضمن دينامية ضغط متعددة الاتجاهات على الدولة.
لذلك، يرى مراقبون أن هذا النمط من الهجمات قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار. خاصة في ظل هشاشة المؤسسات الأمنية، وتعدد الفاعلين المسلحين. واختلاف أجنداتهم بين الانفصال، والجهادية العابرة للحدود، والصراعات المحلية.
كما أن غياب رواية رسمية متماسكة حول ما يجري يزيد من منسوب الغموض. ويصعب من مهمة تقييم الوضع بدقة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق البلاد نحو مواجهة مفتوحة على مختلف الجبهات.
تبدو الساعات والأيام المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأحداث. سواء نحو احتواء التصعيد أو نحو تعميق الأزمة، في بلد يقف على مفترق طرق أمني وسياسي بالغ الحساسية.






