الثلاثاء 1 شتنبر 2026
آخر الأخبار
سياسة

حين تتحول تزكية النساء إلى امتحان حقيقي للديمقراطية

بقلم الحدث بريس .. متابعة 1 شتنبر، 2026 17:45
حين تتحول تزكية النساء إلى امتحان حقيقي للديمقراطية

الحدث بريس : الحبيب بلوك

يتجدد النقاش مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، حول  حضور النساء في المشهد السياسي، ليس فقط من زاوية عدد المقاعد التي يمكن أن يحصلن عليها، بل أساساً من زاوية المعايير التي تحكم اختيارهن لقيادة اللوائح الانتخابية.

ولا تتعلق القضية بمجرد تمثيلية رقمية، وإنما بجوهر المشاركة السياسية ومدى قدرتها على إنتاج نخب نسائية مؤهلة وقادرة على التأثير والتشريع والرقابة.

إن تخصيص مقاعد جهوية للنساء كان خطوة مهمة في اتجاه تصحيح اختلال تاريخي في التمثيلية السياسية، غير أن هذه الآلية تفقد جزءاً كبيرا من معناها حين تتحول التزكيات إلى مجال للمساومات المادية أو رهينة للنفوذ والعلاقات الزبونية.

فالمرأة لا ينبغي أن تصل إلى البرلمان لأنها تملك المال أو تحظى بدعم نافذ، بل لأنها تمتلك الكفاءة والرؤية السياسية والقدرة على الدفاع عن قضايا المجتمع، وفي مقدمتها قضايا النساء والفئات الهشة.

المقلق في هذا النقاش أن بعض الأحزاب قد تتعامل مع التمكين السياسي للنساء باعتباره مجرد واجهة انتخابية أو التزاماً شكلياً تفرضه القوانين والظرفية السياسية. وعندما تصبح التزكية مرتبطة بمنطق الولاء أو القدرة على الإنفاق، فإنها لا تفتح المجال أمام النساء، بل تعيد إنتاج نفس النخب التقليدية داخل فضاء نسائي ظاهرياً.

إن المال الانتخابي لا يهدد فقط فرص المرشحات المستقلات والكفؤات، بل يضرب ثقة المواطنين في المؤسسات. فالبرلمان الذي يصل إليه الأعيان وأبناؤهم وبناتهم، أو من يملكون القدرة على شراء المواقع السياسية، يصبح عاجزاً عن التعبير الحقيقي عن المجتمع.

 كما أن وصول مرشحات يفتقدن إلى التكوين السياسي والرؤية الواضحة قد يحول التمثيلية النسائية إلى حجة ضدها، بدل أن تكون مدخلا لتعزيزها.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء برفع شعار المناصفة، بل وضع معايير شفافة وقابلة للمراقبة لاختيار المرشحات. وينبغي أن تشمل هذه المعايير المسار النضالي، والكفاءة العلمية والمهنية، والحضور داخل المجتمع، والقدرة على التواصل، فضلاً عن وضوح البرنامج السياسي.

 كما يتعين على الأحزاب أن تعلن للرأي العام أسس التزكية، وأن تفتح نقاشاً داخلياً حقيقياً بدل حسم الترشيحات في دوائر ضيقة.
ولا يمكن فصل مسؤولية الأحزاب عن مسؤولية الدولة والمجتمع المدني والهيئات الرقابية. فصندوق دعم المشاركة السياسية للنساء يجب أن يخضع لتقييم جدي، حتى لا يتحول إلى آلية مالية بلا أثر حقيقي على استقلالية المرشحات وتكوينهن وتأهيلهن.
كما أن مكافحة المال الانتخابي لا ينبغي أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تبدأ منذ مرحلة التزكية، حيث تتشكل أولى مظاهر عدم تكافؤ الفرص.

إن تمكين النساء سياسياً لا يعني ملء المقاعد بأسماء نسائية، بل ضمان حضور نساء قادرات على صناعة القرار ومساءلة الحكومة والدفاع عن الحقوق والحريات. أما حين تختزل المشاركة في أرقام انتخابية، فإنها تتحول إلى تمكين شكلي لا يغير شيئاً من طبيعة الممارسة السياسية.

لذلك، فإن الجدل الدائر حول معايير اختيار وكيلات اللوائح ينبغي أن يكون فرصة لإعادة النظر في طريقة اشتغال الأحزاب، لا مناسبة لتبادل الاتهامات فقط. فالمعركة الحقيقية ليست بين النساء والرجال، ولا بين اللوائح الجهوية واللوائح المحلية، بل بين منطق الكفاءة والاستحقاق ومنطق المال والنفوذ.

وإذا كانت انتخابات 23 شتنبر المقبلة  مطالبة بإنتاج برلمان يعكس تطلعات المغاربة، فإن ذلك لن يتحقق من دون ضمان مشاركة نسائية حقيقية، قائمة على الاستقلالية والكفاءة والنضال، لا على العلاقات والمساومات.
فالمرأة التي تصل إلى البرلمان بفضل استحقاقها ستكون إضافة للمؤسسة وللمجتمع، أما التي تصل إليه عبر النفوذ والمال، فلن تكون سوى استمرار للأزمة نفسها بواجهة مختلفة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.