أعلن شي جين بينغ عن توجه جديد في السياسة الاقتصادية لبلاده تجاه القارة الإفريقية، يتمثل في منح إعفاءات جمركية كاملة لواردات 53 دولة إفريقية تربطها علاقات دبلوماسية مع بكين، ابتداءً من فاتح ماي المقبل، في خطوة تعكس تحولا لافتا في موازين التأثير الاقتصادي العالمي، وتؤكد سعي الصين إلى ترسيخ حضورها داخل القارة السمراء.
توسيع الولوج إلى السوق الصينية وتعزيز الشراكة جنوب-جنوب
وأكد الرئيس الصيني، خلال لقاء جمعه بنظيره الموزمبيقي دانييل فرانسيسكو تشابو في العاصمة بكين. أن بلاده ستعمل، بالتوازي مع هذا الإعفاء، على توسيع نطاق وصول الصادرات الإفريقية إلى السوق الصينية. من خلال تطوير ما يُعرف بـ”القنوات الخضراء” واعتماد تسهيلات إضافية لفائدة المنتجين الأفارقة.
وأوردت وكالة شينخوا أن هذا القرار يندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تروم تعزيز التعاون جنوب-جنوب. في ظل التحولات الدولية المتسارعة. حيث شدد شي جين بينغ على أن الصين والدول الإفريقية شكلتا، على مدى سبعة عقود، قوة دافعة لتحقيق نوع من التوازن والعدالة في النظام العالمي.
كما أشار المتحدث ذاته إلى أن بلاده تعتزم اغتنام مخرجات قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي (فوكاك). إلى جانب سنة التبادلات الثقافية المرتقبة في 2026. من أجل الدفع بمسار التحديث المشترك وتعزيز الروابط الاقتصادية والإنسانية بين الجانبين.
سياسة جمركية معاكسة لواشنطن وتكريس لنفوذ بكين
وفي المقابل، يرى عدد من المراقبين أن هذه الخطوة تعكس توجها صينيا مضادا للسياسات الاقتصادية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب. والتي قامت على فرض رسوم جمركية وعقوبات تجارية على عدد من الشركاء الدوليين.
وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي عبد الله العبيدي أن التوسع الصيني داخل القارة الإفريقية يقوم على أسس براغماتية، بالنظر إلى ما تزخر به هذه المنطقة من موارد طبيعية استراتيجية. تشمل النفط والغاز واليورانيوم، فضلا عن المعادن النادرة التي أصبحت تشكل عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة.
وأضاف المتحدث ذاته أن بكين تسعى إلى التحكم في سلسلة القيمة المرتبطة بهذه الموارد. بدءا من الاستخراج، مرورا بعمليات التصنيع والتثمين، وصولا إلى التصدير. وهو ما مكنها من تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة وتعزيز موقعها في قطاعات حيوية. من بينها بطاريات السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، والحواسيب، فضلا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
استراتيجية مزدوجة: الطاقة والممرات وتعزيز النفوذ السياسي
ومن جهة أخرى، اعتبر العبيدي أن المقاربة الصينية في إفريقيا ترتكز على محورين أساسيين. أولهما ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة، وثانيهما التحكم في ممرات نقل هذه الموارد. وهو ما يفسر الحضور المتزايد لبكين في عدد من المناطق الاستراتيجية داخل القارة.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن الصين تعتمد، بالموازاة مع ذلك، سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية. مع الحرص على بناء علاقات قائمة على مبدأ الندية والاحترام المتبادل، دون فرض شروط سياسية أو اقتصادية صارمة، وهو ما ساهم في كسب ثقة عدد متزايد من العواصم الإفريقية.
كما لفت المتحدث إلى أن هذا التوجه مكن الصين من توسيع نفوذها في مناطق كانت تقليديا ضمن دائرة التأثير الأوروبي، خاصة الفرنسي. حيث وجدت عدة دول إفريقية في الشراكة مع بكين بديلا يقوم على المصالح المشتركة بدل الإملاءات.
وفي سياق متصل، تزامن هذا القرار مع إشادة بكين بمواقف بعض الدول الإفريقية التي ألغت تصاريح عبور جوي للرئيس التايواني لاي تشينغ-ته. وهو ما حال دون زيارته إلى إسواتيني، الحليف الدبلوماسي الوحيد لتايبيه في القارة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الحضور الصيني في إفريقيا لم يعد يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب. بل بات يمتد ليشمل أبعادا سياسية ودبلوماسية، في إطار صراع نفوذ متصاعد على الساحة الدولية. يعيد رسم ملامح التوازنات العالمية في السنوات المقبلة.






