شهدت مدينة الرشيدية تنظيم المنتدى الوطني السادس حول موضوع “التمويلات البديلة رافعة لتعزيز دور المجتمع المدني في التنمية”. وهو الحدث الذي قدم خلاله الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، مصطفى بايتاس، قراءة دقيقة لواقع المجتمع المدني المغربي.
وتتجلى أهمية هذه المداخلة بالأساس في كونها جاءت في لحظة تعرف فيها البلاد تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، مما يجعل تقييم أداء المجتمع المدني ضرورة ملحة.
وحاول الوزير من خلال عرضه، إبراز التحديات القائمة. واستشراف الآفاق الممكنة. بما يسهم في تعزيز دور الفاعل الجمعوي داخل الورش الوطني لبناء الدولة الاجتماعية.
المجتمع المدني: مدرسة للمواطنة وحاضنة للقضايا الوطنية
وأكد بايتاس أن المجتمع المدني في المغرب لا يمثل مجرد فاعل إضافي ضمن مشهد مؤسساتي موسع. بل يشكل مدرسة للمواطنة المسؤولة ومجالا للتنشئة على قيم الانخراط الوطني. مبرزا أن الجمعيات المغربية راكمت عبر سنوات عملها الميداني تجربة معتبرة في الدفاع عن القضايا الوطنية والتفاعل مع حاجيات المواطنين.
وتتجلى قوة هذا الفاعل، حسب الوزير، في قدرته على استهداف الفئات الهشة. ومواكبة دينامية التنمية المحلية. والمساهمة في المبادرات الاجتماعية التي تجعل من العمل الجمعوي شريكا فعليا في تنزيل السياسات العمومية.
إكراهات التمويل: الحلقة الأضعف في استدامة الفعل الجمعوي
وأشار بايتاس إلى أن تشخيص واقع الحقل الجمعوي يبرز جملة من التحديات البنيوية. أهمها تلك المتعلقة بضعف التمويل، وعدم قدرة العديد من الجمعيات على ضمان استمرارية برامجها ومشاريعها. ويؤكد هذا الواقع حاجة ملحة لإيجاد حلول مبتكرة تسمح بتجاوز اعتماد الجمعيات على الدعم العمومي باعتباره المورد الأساسي لتمويل أنشطتها.
ويكشف هذا الإشكال المالي، أنه لا يرتبط فقط بضعف الموارد. بل يمتد إلى غياب آليات عصرية لمواجهة المتطلبات الجديدة. خاصة مع تنامي دور المجتمع المدني في مراقبة وتقييم السياسات العمومية والانخراط في الأوراش الإصلاحية الكبرى.
الدعم العمومي: ضرورة استراتيجية لكنه غير كاف
وأوضح الوزير أن الدعم العمومي يظل ركيزة أساسية لمواكبة العمل الجمعوي. غير أن تحولات السياق الاجتماعي تفرض البحث عن بدائل أكثر مرونة واستدامة. فمع توسع أدوار الجمعيات وتزايد الطلب المجتمعي على خدماتها. يصبح من الضروري عدم الاكتفاء بالتمويل الحكومي، بل اعتماد مقاربة جديدة تشرك أكثر من فاعل اقتصادي ومؤسساتي.
وتبرز الحاجة اليوم إلى تجاوز النموذج التقليدي للتمويل نحو نموذج يقوم على التنوع، المرونة، والإبداع المالي، بما يسمح للمجتمع المدني بأن يصبح فاعلا مستقلا وليس مجرد متلق مباشر للدعم الحكومي.
التمويلات البديلة: أفق جديد أمام المجتمع المدني
واستعرض بايتاس أهمية القانون 15.18 المتعلق بالتمويل التعاوني والمنصات الرقمية، معتبرا أنه يشكل تحولا نوعيا في منظومة تمويل العمل المدني، بفضل ما يتيحه من فرص لتعبئة موارد مالية عبر منصات رقمية شفافة، وتيسير مساهمة المواطنين في دعم المشاريع الجمعوية.
وركز على الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص عبر تفعيل المسؤولية الاجتماعية للمقاولات، وتوجيه جزء من استثماراته نحو دعم المبادرات المدنية التي تستهدف التنمية المحلية وبناء مجتمع قوي ومتضامن.
وتعتبر الأنشطة المدرة للدخل أحد الحلول الفعالة لتعزيز استقلالية الجمعيات، إذ تمكنها من خلق موارد ذاتية دون انتظار التمويل الخارجي. وهو ما ينسجم مع التوجهات الحديثة للعمل المدني على المستوى الدولي.
التجارب الدولية: دروس جاهزة للتنزيل
وأبرز الوزير أن الوزارة قامت بدراسة، بشراكة مع الاتحاد الأوروبي، لاكتشاف أفضل الممارسات الدولية في مجال التمويل البديل، بهدف توفير خيارات عملية وقابلة للتطبيق في السياق المغربي. وأكدت هذه التجارب نجاحا كبيرا في بلدان جعلت من التمويل التعاوني والمبادرات الرقمية أداة لإشراك المواطنين وتقوية دور الجمعيات.
ويشير هذا الانفتاح إلى رغبة واضحة في تطوير نموذج مغربي حديث قادر على مواكبة التحولات العالمية، وتعزيز مكانة الجمعيات ضمن منظومة الدولة الاجتماعية.
التحول الرقمي: رافعة ضرورية لتعزيز قدرات الجمعيات
وشدد بايتاس على أن الولوج إلى التمويل البديل لن يتحقق دون مواكبة الجمعيات للتحول الرقمي، سواء على مستوى إدارة مشاريعها، أو التواصل مع الجمهور، أو اعتماد منصات لجمع التبرعات. فالرقمنة اليوم ليست خيارا، بل شرطا أساسيا لتعزيز الثقة والشفافية. وضمان قدرة الجمعيات على التنافس وجذب الشركاء والممولين.
كما يساعد التحول الرقمي في بناء شبكات تعاون بين الجمعيات. مما يعزز التكامل بين الفاعلين المدنيين ويمنحهم قوة اقتراحية أكبر داخل المشهد العام.
استراتيجية “نسيج”: نحو مجتمع مدني شريك في صناعة القرار
ويندرج المنتدى الوطني السادس، ضمن مسلسل تنزيل استراتيجية “نسيج” (2022-2026). وهي الاستراتيجية التي تهدف، بالأساس، إلى الارتقاء بالمجتمع المدني إلى مستوى شريك فعلي في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها. كما تأتي هذه المقاربة، من جهة أخرى، منسجمة تماما مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تعزيز أدوار المجتمع المدني في الأوراش الوطنية الكبرى وفي بناء الدولة الاجتماعية.
ويعكس هذا التوجه، في العمق، رغبة واضحة لدى الدولة في الانتقال تدريجيا من اعتبار العمل الجمعوي مجرد مبادرة تطوعية محدودة الأثر، إلى التعامل معه، اليوم أكثر من أي وقت مضى، كجزء محوري من هندسة السياسات العمومية، وكعنصر أساسي داخل منظومة التنمية المستدامة. ومن ثم، يصبح المجتمع المدني فاعلا لا مكملا. بل مشاركا في التخطيط والتنفيذ والتقييم. بما يضمن نجاعة الإصلاحات وملاءمتها للحاجيات الفعلية للمجتمع.
نحو نموذج تمويلي جديد يرسخ استقلالية المجتمع المدني
وتبرز مداخلة مصطفى بايتاس، وما رافقها من نقاش داخل المنتدى الوطني السادس، بوضوح أن المغرب يتجه نحو إعادة صياغة منظومة التمويل الجمعوي، عبر الانتقال التدريجي من نموذج تقليدي يعتمد أساسا على الدعم العمومي إلى نموذج أكثر تنوعا وانفتاحا، يستحضر الأدوات الرقمية الحديثة، ويستفيد من التمويلات التعاونية، ويعزز الشراكات الاقتصادية متعددة الأطراف.
ويظهر أن هذا التحول لا يأتي اعتباطا. بل يعكس توجها استراتيجيا لدى الدولة لبناء مجتمع مدني قوي ومستقل. قادر على مواكبة المشاريع التنموية الكبرى، ومؤهل للمساهمة الفعلية في ترسيخ نموذج الدولة الاجتماعية.
ويتضح أن التحدي الراهن لا يكمن فقط في البحث عن موارد مالية إضافية. بل يتجسد أساسا في بناء منظومة تمويل عصرية، مبتكرة، وشفافة، تمكن من تحويل المجتمع المدني إلى شريك محوري وأساسي في صناعة المستقبل التنموي للمغرب.














