أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا، وفي خطوة وصفت بأنها من أخطر القرارات الصحية في العقود الأخيرة. انسحابها من منظمة الصحة العالمية. واضعة بذلك حدا لعقود من الشراكة التي جعلت من واشنطن أحد أعمدة النظام الصحي العالمي. القرار، الذي جاء عبر بيان مشترك لوزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور، قدم باعتباره تصحيحًا “للضرر الذي لحق بالشعب الأمريكي”. نتيجة ما وصفته واشنطن بإخفاقات المنظمة خلال جائحة كوفيد-19.
كوفيد-19… الجرح الذي لم يندمل
وترى الإدارة الأمريكية أن جائحة كورونا شكّلت لحظة كشف حاسمة لعجز منظمة الصحة العالمية عن أداء دورها الأساسي. فبحسب البيان الرسمي، فإن المنظمة أخفقت في تبادل معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب. وهو ما اعتبرته واشنطن عاملا ساهم في تفاقم الخسائر البشرية داخل الولايات المتحدة. وتذهب الإدارة أبعد من ذلك باتهام المنظمة بالتستر على هذه الإخفاقات تحت شعار “الصحة العامة”. في سلوك يقوض الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون المرجع الأول للأزمات الصحية العالمية.
منظمة “مسيّسة” أم نظام عالمي مختل؟
واتهمت واشنطن منظمة الصحة العالمية بالتخلي عن حيادها، والانخراط في أجندات بيروقراطية وسياسية تحركها دول تعتبرها الولايات المتحدة “معادية لمصالحها”. ورغم كون واشنطن عضوًا مؤسسا وأكبر ممول للمنظمة، ترى الإدارة الأمريكية أن هذا الثقل المالي لم يترجم إلى حماية لمصالحها أو لمواطنيها. بل على العكس، أصبح عبئا داخل منظومة دولية تصفها بأنها مختلة في ميزان القرار والنفوذ.
أمر تنفيذي يفي بوعد انتخابي
وجاء الانسحاب الأمريكي الذي لم يكن قرارًا مفاجئًا تنفيذًا لأمر تنفيذي وقّعه الرئيس دونالد ترامب في اليوم الثاني من ولايته الثانية. في خطوة تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا. فترامب، الذي طالما انتقد المنظمات الدولية، جعل من “تحرير الولايات المتحدة من القيود الخارجية” شعارًا مركزيًا في خطابه. ويأتي الخروج من منظمة الصحة العالمية كترجمة عملية لهذا التوجه السيادي.
وقف التمويل… ضربة مالية قاسية
ويمثل قرار وقف جميع التمويلات الأمريكية لمبادرات منظمة الصحة العالمية ضربة موجعة للمنظمة، التي تعتمد بشكل كبير على المساهمات الأمريكية. هذا الانسحاب المالي يثير مخاوف جدية بشأن قدرة المنظمة على الاستمرار في تمويل برامج حيوية، خصوصًا في الدول النامية. ما يفتح الباب أمام فراغ صحي عالمي قد تكون له تداعيات إنسانية خطيرة.
نموذج صحي جديد خارج المنظمات متعددة الأطراف
وأكدت واشنطن، في مقابل القطيعة مع منظمة الصحة العالمية، أنها لا تنسحب من العمل الصحي العالمي، بل تعيد صياغته وفق مقاربة جديدة تقوم على الشراكات الثنائية والمباشرة، والتركيز على النتائج بدل البيروقراطية. كما تؤكد الإدارة الأمريكية أنها ستواصل لعب دور ريادي في حماية الصحة العامة. سواء داخل حدودها أو عبر تعزيز الأمن الصحي العالمي من خلال التعاون مع “الدول والمؤسسات الموثوقة”.
بين السيادة الصحية والعزلة الدولية
ويثير هذا القرار نقاشًا واسعًا حول مستقبل التعاون الصحي العالمي، وحدود السيادة الوطنية في مواجهة أزمات عابرة للحدود. فبينما ترى واشنطن في الانسحاب استعادة للقرار الصحي المستقل، يحذر منتقدو الخطوة من أن تقويض المنظمات متعددة الأطراف قد يضعف قدرة العالم على مواجهة أوبئة مستقبلية تتطلب تنسيقًا جماعيًا لا يمكن لدولة واحدة، مهما بلغت قوتها، أن تضطلع به وحدها.
منظمة الصحة العالمية أمام اختبار البقاء
كما يضع انسحاب الولايات المتحدة منظمة الصحة العالمية أمام لحظة مفصلية في تاريخها. ويطرح تساؤلات حول قدرتها على الإصلاح واستعادة الثقة الدولية. كما يدفع المجتمع الدولي إلى إعادة التفكير في نماذج الحوكمة الصحية العالمية، في عالم باتت فيه الأزمات الصحية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي والسياسي للدول.
عالم أقل تنسيقًا أم بداية نظام صحي بديل؟
ويبقى الثابت، بين من يرى في الخطوة الأمريكية بداية تفكك النظام الصحي العالمي، ومن يعتبرها فرصة لإعادة بناء منظومة أكثر شفافية وفعالية، أن انسحاب واشنطن من منظمة الصحة العالمية ليس مجرد قرار إداري، بل تحول استراتيجي سيترك بصمته على مستقبل الصحة العالمية، وعلى طريقة تعامل الدول مع الأوبئة القادمة.