فحص ADN وإثبات النسب خارج الزواج… هل يتجه الفقه المغربي إلى منعطف تاريخي جديد؟

الحدث بريس10 فبراير 2026
النسب خارج إطار الزواج… هل يدفع فحص ADN الفقه المغربي نحو منعطف تاريخي جديد؟

أثار تصريح المحامي ووزير العدل السابق، المصطفى الرميد، خلال ندوة علمية بالدار البيضاء، نقاشا قانونيا وفقهيا واسعا حول موقع فحص الحمض النووي (ADN) في إثبات نسب الأبناء المولودين خارج إطار الزواج. ويعيد موقف الرميد، بوزنه السياسي والفقهي، فتح ملف حساس طالما أثار جدلا في المغرب: هل يمكن اعتماد التكنولوجيا الحديثة لإغلاق باب النزاعات المرتبطة بالنسب، أم أن ذلك يتعارض مع الثوابت الفقهية التقليدية؟

فحص ADN: بين العلم والعدالة

ويرى الرميد أنه لا مانع من اعتماد فحص ADN لإثبات نسب الأبناء غير الشرعيين، معتبرا أنه يقدم دليلا قطعيا لا يترك مجالا للشك. وحسب تصريحه، فإن الفحص الجيني يتيح الجزم في صحة الأبوة، كما أنه يماثل من حيث القوة الإثباتية علاقة الأمومة التي يثبتها العلم بشكل يقيني. هذا الطرح ينسجم مع توجهات دولية متزايدة تعتبر الحمض النووي أداة حاسمة لتقوية العدالة وحماية حقوق الأطفال.

القيافة في الفقه الإسلامي: دليل ظني يحتاج إلى مراجعة

واستعان الرميد بمفهوم القيافة—وهو علم تعرف به الأنساب من خلال الفراسة ومقارنة الملامح الجسدية—لإبراز التناقض بين الاعتماد على دليل ظني في الفقه. مقابل التردد في اعتماد دليل قطعي علميا. فالقيافة: تعتمد على الملاحظة البشرية، وتبقى قابلة للخطأ، وتستخدم فقط عند غياب الأدلة الأقوى. بينما فحص ADN: يقدم نسبة يقين تقارب 100%، ويعالج الإشكالات المعقدة للنسب، ويعتبر معيارا علميا معترفا به عالميا. هنا يطرح الرميد سؤالا حاسما: كيف يقبل الدليل الظني في الفقه. بينما يرفض أو يتردد في اعتماد دليل قطعي علميا؟

موقف الرميد: دعوة لتحديث أدوات إثبات النسب

وشدد الرميد على أن من يقبل بالقيافة لا يمكنه رفض فحص الحمض النووي، معتبرا أن الفقه الإسلامي تاريخيا تعامل مع الأدلة المتاحة في زمنه، وأنه لا يوجد مانع شرعي من الأخذ بالأدوات العلمية الحديثة التي تحقق المقصد الأساسي: حفظ الأنساب وحماية حقوق الأطفال. وأضاف أن تقوية وسائل الإثبات العلمية يساهم في: حماية الأطفال المولودين خارج الزواج من الضياع والهشاشة. ومنع تهرب بعض الآباء من المسؤولية. وتقليص النزاعات الأسرية والقضائية.

الأبعاد القانونية والاجتماعية للنقاش

ويعيد هذا الموقف طرح سؤال جوهري: هل يتجه المشرع المغربي نحو تعديل المقتضيات المتعلقة بإثبات النسب؟. فعلى المستوى القانوني لا تعترف مدونة الأسرة بالنسب خارج الزواج إلا في حالات خاصة. واعتماد ADN قد يتطلب تعديلا قانونيا أو إعادة تأويل للنصوص الحالية. والقضاء المغربي بدأ فعليا في توسيع استعمال التحليل الجيني في بعض النزاعات. أما على المستوى الاجتماعي فآلاف الأطفال يولدون سنويا خارج إطار الزواج ويواجهون هشاشة قانونية. وفحص ADN قد يمنحهم هوية وحقوقا أساسية. ويعكس النقاش في هذا الموضوع صراعا بين المحافظة الفقهية وضرورات الواقع الاجتماعي.

بين الفقه المعاصر ومسؤولية المشرع

ويشكل كلام الرميد رسالة غير مباشرة للمشرعين والفقهاء مفادها أن العلم أصبح جزءا من أدوات الاجتهاد في مسائل الأسرة. فالفقه ليس جامدا، بل عرف عبر التاريخ تطورا كبيرا في أدوات إثبات النسب، من الشهادة إلى القيافة إلى البصمة الوراثية اليوم. واعتماد فحص ADN يمكن أن يشكل خطوة جريئة نحو عدالة أسرية أكثر إنصافا. وتطويرا للاجتهاد الفقهي بما ينسجم مع المقاصد الشرعية. وحماية لحقوق فئة لطالما عانت من الفراغ القانوني.

وتعكس تصريحات المصطفى الرميد تحولا فكريا مهما في التعامل مع قضية النسب خارج الزواج في المغرب. فبين أدلة الفقه التقليدي وحقائق العلم الحديث، يبدو أن فحص ADN قد يتحول قريبا إلى أداة مركزية في حل واحدة من أعقد الإشكالات القانونية والاجتماعية في البلاد. ويبقى السؤال المفتوح: هل يواكب التشريع المغربي هذا التحول. أم سيظل النقاش الفقهي والقانوني مفتوحا إلى حين؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة