يحظى منجم غار جبيلات باهتمام كبير في السنوات الأخيرة. ويحتدم حوله جدل دبلوماسي وقانوني بين المغرب والجزائر. بعد مرور أكثر من خمسين عاما على توقيع الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين اتفاقية الحدود عام 1972. إذ لم يعد النزاع في الوقت الحالي مجرد صراع على استخراج الحديد واقتسام الارباح. بل تحول إلى قضية تاريخية وقانونية تعكس شرعية الحدود الوطنية وعقود التعاون الثنائية. وتكشف كذلك عمق التوترات المستمرة في العلاقات بين الرباط والجزائر. حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الاستراتيجية والدبلوماسية. ما يجعل المنجم محورا حيويا لفهم الماضي وتأثيراته على المشهد السياسي الحالي.
بداية الاكتشاف
واكتشف الغار المتواجد على بعد 130 كلم جنوب شرق مدينة تندوف، في خمسينيات القرن الماضي تحديدا سنة 1952. حين قامت فرق جيولوجية فرنسية بقيادة بيير جيفون، بمسح المنطقة، لتتوقف الآليات عند تركيز عالي للحديد، لتبدأ بعدها الدراسات الاولى، غير أن وعورة المكان وبعده عن البحر والتعقيد الخامي الغني بالفوسفور. مما جعل المشروع يصنف اكتشافا مهما، لكنه مؤجل.
وعرفت السنوات الأولى بعد الاستقلال، خلال فترة الرئيس الراحل هواري بومدين، اللبنات الأولى لمعرفة مدى إمكانية استغلال المنجم. ليبقى المشروع بعد ذلك معلقا لسنوات.
وجاءت سنة 2021, حين تم الإتفاق بين شركة جزائرية وائتلاف لثلاث شركات صينية، مما سمح بالانطلاق الفعلي للعمل في المنجم والقيام بالتجارب من العينات المستخرجة، والبدء باستغلال المنجم.
أهمية غار جبيلات
وتقدر احتياطات المنجم بـ 3.5 مليار طن من الحديد منها 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال. وتطلب إنجاز هذا المشروع استثمارات ضخمة تراوحت بين 10 و20 مليار دولار. إضافة إلى إنشاء خط سكة حديدية منجمية بطول 1000 كيلومتر لنقل إنتاج الغار من المادة الخام نحو المصانع.
وتنتج الجزائر، وفق إحصائيات وزارة الطاقة والمناجم، 5 ملايين طن سنويا، وتسعى لرفع الإنتاج إلى 10 ملايين طن.
وتطلب استغلال المنجم إنجاز دراسات معمقة حول وفرة الموارد المائية والغاز والكهرباء والتقنيات اللازمة لمعالجة الحديد. ومع دخوله مرحلة الإنتاج، من المتوقع استخراج 20 مليون طن سنويا من المعدن الخام لإنتاج 10 ملايين طن من الحديد. سيتم توجيه نصفها للسوق المحلية. وسيتيح المشروع استحداث ما لا يقل عن 15 ألف منصب عمل.
وذكرت قناة النهار الجزائرية، بأن غار جبيلات “عملاق اقتصادي استيقظ ليدفن أوهام الحاقدين” ملمحة للصراع الحدودي بين المغرب والجزائر؛ حيث أكد المصدر ذاته، بأن المنجم “بدأ مرحلة الاستغلال الفعلي، بعد أن ظل منذ ستينيات القرن الماضي مجرد حبر على ورق في الأدراج”.
وأردفت القناة، بأن “المغرب اتهم الجزائر بعدم امتلاك التقنيات اللازمة، مما سيحول دون استغلاله”. معتبرة “أن المنجم سيصبح قاطرة اقتصادية ستغير وجه القارة السمراء، وتجعل الجزائر في مصاف الكبار”.
وأكد التقرير نفسه، والذي إطلعت جريدة “الحدث بريس” الالكترونية على مضامينه، بأن المنجم يتضمن وحدة “النعامة” الموجهة لإنتاج كريات الحديد. والتي ستبلغ طاقتها 6 ملايين طن سنويا.
وستجني الجزائر مكاسب هذا المشروع العملاق، فيما يبقى المغرب خارج المعادلة تماما. دون أن يجني درهما واحدا من ثروة غار جبيلات. رغم كل الضجيج السياسي الذي يحاول إيهام العالم بأن الجارة الشرقية ملتزمة ببنود الاتفاقية.
تاريخ توقيع الاتفاقية
ووقع المغرب والجزائر في عام 1972 اتفاقية شاملة لم تحدد الخطوط الحدودية فقط، بل نصت على تبادل الأراضي والمصالح الاقتصادية الحيوية. إذ تنازل المغرب عن أراضي تندوف وبشار مقابل التزام الجزائر بمشاركة المغرب في استغلال منجم غار جبيلات، مع تصدير الحديد عبر الموانئ المغربية وتقاسم الأرباح بالتساوي.
وأكد الباحث في القانون الدولي الدكتور رشيد العلوي: أن “الاتفاقية لم تكن مجرد خطوط على الخريطة، بل كانت عقدا قانونيا ملزما للطرفين، وأي خرق لأي بند منها يمنح الطرف المتضرر الحق في المطالبة باستعادة حقوقه أو إعادة الوضع إلى ما كان عليه.”
وأصبح المنجم، منذ تلك اللحظة، ليس فقط مجرد مصدر للثروة المعدنية، بل أداة ضمان أساسية للحقوق المغربية مقابل التنازل عن الأراضي. وهو ما يوضح طبيعة العلاقة المعقدة بين المصالح الاقتصادية والسيادة الوطنية في الاتفاقيات الثنائية.
خرق الجزائر: الحديد خارج الاتفاق وتجاوز الالتزامات
وسجلت السنوات الأخيرة تحولات خطيرة، منذ بدأت الجزائر باستخراج الحديد من غار جبيلات بمفردها، بالتعاون مع شركات صينية، متجاوزة الالتزامات القانونية مع المغرب. حيث يشكل هذا الخرق انتهاكا لبند أساسي في الاتفاقية التاريخية، مما يتيح للمغرب حجة قوية للضغط القانوني والدبلوماسي. ويؤكد الدكتور العلوي في هذا السياق: بأن “القانون الدولي يعترف بمبدأ Status Quo Ante، الذي يخول للطرف المتضرر إعادة الأمور إلى وضعها السابق قبل العقد، وهذا بالضبط ما يمنح المغرب اليوم حجة قانونية قوية.” وبالتالي، فإن التطورات الأخيرة حول المنجم أعادت المغرب إلى موقع قوة بعد سنوات طويلة من الجمود. وأعطت الملف الحدودي طابعا عاجلا ومصيريا.
الصمت المغربي: الاستراتيجية وراء التريث
وظل المغرب صامتا طوال العقود الماضية، لكن هذا الصمت لم يكن ناتجا عن ضعف، بل كان جزءا من استراتيجية دبلوماسية دقيقة. حيث ركز المغرب أولا على تثبيت استقراره الداخلي والتعامل مع ملفات أخرى حساسة، مثل الصحراء المغربية، ما أعاق أي تصعيد مباشر. إضافة إلى أن المغرب لم يكن يملك أدوات ضغط دولية قوية، إذ كانت الجزائر تلتزم شكليا بالاتفاقية، ولم يكن الخرق الاقتصادي واضحا بما يكفي لتحريك الملفات أمام المحاكم الدولية. فضلا عل أن المغرب اعتمد على سياسة الحذر الدبلوماسي. مدركا أن أي خطوة تصعيدية قد تفتح نزاعا شاملا على الحدود المغربية مع الجارة الشرقية للمملكة، في ظل ضعف آليات الوساطة الدولية آنذاك.
وتجاوزت الجزائر، بعد التطورات الاخيرة حدود الاتفاقية بشكل واضح، ما سيتيح للمغرب استعادة المبادرة القانونية والدبلوماسية بعد سنوات من التريث المدروس.
وتظهر الأبعاد الاقتصادية للقضية بشكل واضح، إذ يعتمد المنجم على البنية التحتية المغربية لتصدير الحديد إلى الأسواق العالمية، وغياب المغرب يجعل المشروع غير مجد اقتصاديا. مما يضع الجانب الجزائري في مأزق اقتصادي واضح. في حين يمنح المغرب أداة ضغط استراتيجية يمكنها إعادة الجزائر إلى طاولة المفاوضات.
الجمود الحدودي: خمسون عاما من التعقيد السياسي
وظل ملف الحدود بين المغرب والجزائر مجمدا منذ نصف قرن، نتيجة تراكمات سياسية واستراتيجية حالت دون التوصل إلى تسوية نهائية. وقد ارتبط هذا الجمود تاريخياً بقضايا السيادة واستغلال الموارد الطبيعية في المنطقة الشرقية، حيث يُعد منجم غار جبيلات واحداً من أبرز النقاط التي غذّت الخلافات الثنائية عبر العقود.
ويرى مراقبون أن السياسة التي انتهجها النظام الجزائري في السنوات الأخيرة، خصوصا تحت رئاسة عبد المجيد تبون، أعادت ملف غار جبيلات إلى الواجهة بعدما ركزت الجزائر على استغلال الموارد المعدنية بشكل منفرد، دون مراعاة الالتزامات القانونية الواردة في اتفاقية 1972. وهو ما جعل الجزائر، حسب محللين، في موقف قانوني ودبلوماسي هش.
المغرب في موقع قوة قانونية ودبلوماسية
ويعتمد المغرب اليوم على ملف قانوني متماسك يستند إلى وثائق تاريخية تؤكد أن التنازل عن أجزاء من أراضي تندوف وبشار تم في إطار اتفاق مشروط بالتعاون المشترك في استغلال منجم غار جبيلات. وبما أن الجزائر مضت في استغلال المنجم بشكل منفرد، فإن هذا الخرق يمنح المغرب حق المطالبة بإعادة النظر في الوضع الحدودي. وفق مبدأ “العودة إلى الحالة الأصلية” (Status Quo Ante).
ويشير خبراء القانون الدولي إلى أن الرباط تتمتع حاليا بميزة سياسية وقانونية نادرة، تمكنها من إعادة فتح ملف الحدود الشرقية على أسس موثقة. بعد أن ظل مغلقا منذ أزمة 1994 عقب أحداث فندق “أطلس آسني”.
الدبلوماسية المغربية ومرحلة جديدة من التحرك الاستراتيجي
وأصبحت قضية غار جبيلات ورقة دبلوماسية فعالة بين يدي المغرب، يمكن توظيفها للمطالبة بشراكة عادلة أو لإعادة النقاش حول ترسيم الحدود. وأكد الدبلوماسي المغربي المتقاعد محمد بلقاسم أن “المغرب اليوم لا يستند فقط إلى قوة سياسية، بل إلى خرق قانوني واضح. مما يمنحه كامل الحق في الدفاع عن مصالحه وربما إعادة تحديد حدوده بما يتوافق مع سيادته”.
غار جبيلات: مورد طبيعي يتحول إلى رافعة سياسية
وتكشف قضية غار جبيلات أن الموارد الطبيعية ليست مجرد ثروة اقتصادية، بل يمكن أن تتحول إلى عنصر مؤثر في العلاقات الثنائية. إذ سمح خرق الجزائر لبنود الاتفاقية للمغرب بأن يستعيد زمام المبادرة على المستوى الدولي. ويطرح مسألة الحدود من زاوية قانونية ودبلوماسية جديدة.
ويشتغل المغرب على مقاربة شاملة تجمع بين الضغط الاقتصادي والأدلة التاريخية والقانونية. لتأكيد أن استغلال المنجم كان يفترض أن يتم بصورة مشتركة. وأن الاتفاق الحدودي لم يكن منفصلا عن هذا التعاون.
المغرب يستعد لتوسيع تحالفاته الدولية
وتستعد الدبلوماسية المغربية لتكثيف حضورها أمام المنظمات الدولية، بهدف تعزيز موقفها وإبراز أن الاستغلال الأحادي للموارد يخل بالاتفاقيات ويضع الجزائر في وضع غير مريح قانونيا. وهو ما يجعل من غار جبيلات نقطة ارتكاز جديدة في السياسة الخارجية للمغرب.
وأصبح غار جبيلات رمزا لتوازن القوى في المنطقة، لا مجرد مشروع للتعدين. فالمغرب سيستفيد اليوم من هذه القضية لتقوية موقعه التفاوضي. بينما ستجد الجزائر نفسها أمام تحديات اقتصادية وسياسية ناتجة عن الإخلال بالتزاماتها.
وتمنح هذه المستجدات الرباط فرصة لإعادة توجيه العلاقات مع الجزائر نحو مسار قانوني واضح، يوازن بين الضروريات الاقتصادية والالتزامات التاريخية. كما تفتح الباب أمام إمكانية إعادة تقييم الحدود أو صياغة ترتيبات جديدة أكثر شفافية.
مرحلة جديدة في تاريخ النزاع الحدودي
ويمثل ملف غار جبيلات اليوم منعطفا مفصليا، قد يؤدي إلى إعادة رسم الحدود أو دفع الطرفين نحو تفاهمات اقتصادية وسياسية جديدة برعاية دولية. فالزمن الطويل من الجمود لم يلغ الحقوق التاريخية. بل جعلها أكثر رسوخا في الذاكرة الدبلوماسية للمغرب.














