الحدث بريس : متابعة
يتضح جليا أن في عالم السياسة الدولية، لا تقاس المواقف بالتصريحات وحدها، بل بالظروف التي تنتجها. ومن هذا المنطلق، تبدو المؤشرات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية بشأن إيران دليلاً على تحوّل تدريجي في طريقة تعاطي واشنطن مع أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط.
و اعتمدت الولايات المتحدة على امتداد سنوات طويلة،سياسة الضغط القصوى تجاه طهران، أملاً في دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية أثبتت أن هذا النهج لم يحقق النتائج المرجوة بالشكل الذي كانت تطمح إليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
ويبدو اليوم، وفي ظل تحديات اقتصادية وسياسية متزايدة داخل الولايات المتحدة، أن خيار التفاهم بات أكثر واقعية من خيار المواجهة المفتوحة. فواشنطن تدرك أن استمرار التوتر مع إيران يهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، كما يضيف أعباء جديدة على السياسة الخارجية الأمريكية في وقت تواجه فيه ملفات دولية أكثر إلحاحا.
كما لا تبدو طهران في المقابل مستعدة للتخلي عن أوراق قوتها بسهولة. فتعليق بعض مسارات التفاوض أو التشدد في المواقف لا يعني بالضرورة إغلاق باب الحوار، بل يدخل ضمن أدوات الضغط المتبادلة التي يستخدمها الطرفان لتحسين شروط التفاوض والوصول إلى اتفاق أكثر توازناً.
وتبقى العقبة الأكبر أمام أي تفاهم محتمل مرتبطة بالملفات الإقليمية. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحد من النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الشرق أوسطية، بينما تعتبر طهران أن هذه الملفات جزء لا يتجزأ من أمنها القومي ومن أي اتفاق شامل يمكن التوصل إليه مستقبلا.
وتوحي القراءة المتأنية للمشهد الحالي بأن الطرفين لا يبحثان عن انتصار كامل بقدر ما يبحثان عن صيغة تمنع الانفجار وتحافظ على الحد الأدنى من المصالح المتبادلة. لذلك، قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى طاولة التفاوض، بل متى وكيف سيتم ذلك، وما الثمن السياسي الذي سيكون كل طرف مستعدا لدفعه للوصول إلى اتفاق جديد.
و يبقى الشرق الاوسط في ظل استمرار الأزمات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية، ساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات، بين فرص التهدئة ومخاطر التصعيد، فيما يراقب العالم بحذر مسار العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران.






