عاد شبح النصب الإلكتروني ليطل من جديد بقوة في المغرب، بعدما تحولت هذه الظاهرة من ممارسات فردية معزولة إلى شبكات إجرامية منظمة، عابرة للحدود، تستثمر التطور الرقمي وتنامي الثقة في الخدمات الإلكترونية لتحقيق أرباح مالية ضخمة.
شبكات منظمة بهياكل دقيقة
معطيات أمنية حديثة كشفت أن عددا من شبكات النصب لا يشتغل بشكل عشوائي، بل وفق تنظيم محكم وهياكل دقيقة. فبعضها ينشط ميدانيا عبر تجنيد أشخاص لفتح حسابات بنكية مقابل عمولات، تستعمل لاحقاً في تمرير وتحويل أموال متأتية من عمليات احتيال إلكتروني، قبل سحبها أو إعادة توجيهها إلى الخارج.
وفي هذا السياق، تمكنت المصالح الأمنية خلال الأشهر الأخيرة من تفكيك شبكات وصفت بالخطيرة، من بينها شبكة يقودها مواطن صيني بمشاركة عناصر من أوروبا ومغاربة، اعتمدت على شركات وهمية وحسابات متعددة لغسل أموال متحصلة من النصب الإلكتروني.
احتيال رقمي عبر منصات التواصل
بالموازاة مع ذلك، برز نمط أكثر تعقيدا من النصب، يتم بالكامل عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، دون أي تواصل ميداني مباشر. وتعتمد هذه الشبكات على استغلال المعطيات الشخصية للضحايا، وتوجيه رسائل وعروض مغرية تبدو في ظاهرها رسمية وموثوقة.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك، الرسائل المتداولة باسم شركة إفريقيا للمحروقات، والتي تروج لعروض وهمية من قبيل “الوقود المجاني”، حيث جرى استغلال اسم الشركة وهويتها البصرية لخداع المواطنين ودفعهم إلى إدخال معطياتهم البنكية عبر روابط مزيفة.
معطيات شخصية تحت المجهر
هذا النوع من العمليات أعاد إلى الواجهة تساؤلات مقلقة حول مصدر المعطيات الشخصية التي تعتمد عليها هذه الشبكات. كيف حصل المحتالون على أرقام وهواتف ومعلومات الزبائن؟ وهل يتعلق الأمر بتسريبات رقمية، أو بشراء غير قانوني لقواعد بيانات، أم بضعف أنظمة الحماية لدى بعض المؤسسات والشركات؟
أسئلة باتت تضع ملف حماية المعطيات الشخصية في قلب النقاش العمومي، وتبرز الحاجة إلى تشديد المراقبة، وتفعيل العقوبات، وتعزيز آليات حماية البيانات.
يقظة أمنية ومسؤولية جماعية
ورغم خطورة الظاهرة، تؤكد العمليات الأمنية الأخيرة أن الأجهزة المختصة في حالة استنفار دائم، وتعتمد على تتبع تقني متقدم وتعاون دولي لتفكيك هذه الشبكات. غير أن المواجهة، بحسب متتبعين، لا يمكن أن تظل أمنية فقط، بل تقتضي رفع منسوب الوعي لدى المواطنين، وتجنب التفاعل مع الروابط المشبوهة، والتحقق من مصدر أي عرض مغرٍ.
ففي زمن الرقمنة، لم يعد النصب يعتمد على القوة أو المواجهة المباشرة، بل على استغلال المعطيات وبناء الثقة الزائفة… وهما أخطر سلاحين في يد المحتالين.






