في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيدالعرش المجيد، أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله أن المغرب لا يمكن أن يستمر كبلد يسير بسرعتين، حيث تستفيد بعض المناطق من ثمار التنمية بينما تظل مناطق أخرى على هامشها. ورغم المؤشرات الرسمية التي تظهر انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الفقر خلال السنوات الماضية، فإن الواقع الميداني يكشف عن فجوات عميقة في توزيع فرص العمل والخدمات والبنية التحتية. فالتنمية الاقتصادية التي ارتكزت على قطاعات صناعية وتصديرية متقدمة عززت ازدهار مناطق بعينها، لكنها لم تصل بالقدر الكافي إلى مناطق داخلية وجبلية وشبه صحراوية، ولا إلى التجمعات السكانية البعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.
المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن معدل البطالة الوطني بلغ 13.3% خلال العام الماضي، لكنه يتجاوز ذلك بكثير في بعض الجهات الداخلية، خصوصاً بين الشباب حيث تتخطى النسبة في بعض المناطق عتبة 30%. كما تكشف الأرقام أن نحو ثلث الأسر في المناطق البعيدة عن المحاور الاقتصادية الرئيسية تعاني صعوبة في الوصول إلى خدمات صحية أساسية، فيما لا تزال نسب الهدر المدرسي في العالم القروي أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالمناطق الحضرية. وتوضح بيانات الاستثمار العمومي أن أكثر من نصف المشاريع الكبرى خلال العقد الماضي تركزت في أقل من خمس التراب الوطني، وهو ما يعكس اختلالاً في توزيع الموارد.
الخطاب الملكي جاء برسالة واضحة مفادها أن تحسين المؤشرات الماكرو-اقتصادية لا يكفي إذا لم ينعكس على حياة المواطنين اليومية في كل أنحاء البلاد. ودعا إلى جيل جديد من البرامج التنموية التي تراعي الخصوصيات المحلية، وتوفر فرص الشغل، وتحسن جودة التعليم والصحة، وتؤمن الربط بين مختلف الأقاليم عبر طرق ومواصلات حديثة. كما شدد على ضرورة إدارة موارد المياه بكفاءة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة للجفاف والتغير المناخي، وتشجيع أنماط إنتاج زراعي مستدامة تضمن الأمن المائي والغذائي.
هذا التوجه يسلط الضوء على الحاجة لتوزيع أكثر عدلاً للاستثمارات العمومية والخاصة، بحيث لا تبقى متركزة في محاور محدودة. فالمناطق البعيدة عن السواحل أو المراكز الصناعية الكبرى ما زالت تعاني من نسب بطالة مرتفعة، ونقص في المرافق الصحية والتعليمية، وضعف في البنية التحتية يعيق حركة الأشخاص والبضائع. كما أن غياب فرص اقتصادية حقيقية يدفع أعداداً من الشباب إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية، مما يفرغ هذه المناطق من طاقاتها البشرية.
الرسالة الضمنية في الخطاب الملكي هي أن نجاح أي نموذج تنموي مرهون بقدرته على تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، وأن استمرار الفوارق قد يضعف الثقة في جدوى السياسات العمومية. وهو ما يتطلب، إلى جانب التخطيط المركزي، إشراك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني في صياغة وتنفيذ المشاريع، وضمان الشفافية في توزيع الموارد. فالطريق نحو مغرب موحد في وتيرة التنمية يمر عبر إصلاحات واقعية تبدأ بدعم الاستثمار في المناطق الأقل حظاً، وتوفير حوافز للقطاع الخاص لخلق فرص عمل محلية، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية بما يربط كل جزء من البلاد بمراكز النشاط الاقتصادي. حينها فقط يمكن تحويل طموح الخطاب إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.