خرج وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، برد اعتباري بعدما بدأت الحملة بتداول اتهامات باطلة وادعاءات خطيرة، لتجد هذه المزاعم طريقها إلى بعض المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس انزلاقا مقلقا من الإعلام المسؤول إلى التشهير المقنع، ومن النقد المشروع إلى المس بالشرف والاعتبار. في ضرب صريح لقرينة البراءة وتجاهل تام للمساطر القضائية الجارية.
التشهير الرقمي: حين يفقد النقد مشروعيته
ويفترض للجسم الصحفي في مثل هذه الوقائع الاستناد إلى معطيات دقيقة، واحترام قرينة البراءة، وعدم الخوض في قضايا رائجة أمام القضاء. فما نراه اليوم هو تجاوز خطير لهذه الضوابط، حيث تستعمل عناوين مثيرة، وتسريبات مشكوك في مصدرها، وتأويلات مغرضة، لتقديم رواية واحدة للرأي العام. هدفها الواضح هو التشويه لا الإخبار.
القضاء خط أحمر: لا للمحاكمات الموازية
ويصبح أي تعليق غير مسؤول على قضية معروضة بين يدي العدالة محاولة للضغط على القضاء أو لتوجيه الرأي العام، في حين وُجدت المؤسسات القضائية لضمان الإنصاف. لا لإرضاء مزاج شبكات التواصل الاجتماعي.
ولا يعد اللجوء إلى القضاء في مواجهة حملات التشهير تضييقا على حرية التعبير. بل يمثل دفاعا صريحا عن دولة القانون، ورسالة واضحة مفادها أن المؤسسات أقوى من حملات الافتراء. وأن العدالة تبقى الفيصل الوحيد بين الحقيقة والادعاء.
الاستهداف السياسي: قراءة في التوقيت والدوافع
لا يمكن عزل هذه الحملات عن سياقها السياسي والمؤسساتي. فغالبا ما تظهر موجات التشهير في لحظات حساسة، أو تزامنا مع إصلاحات كبرى، أو عند بروز مسؤولين في واجهة المشهد العام. هنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام نقد عفوي، أم أمام استهداف مقصود يسعى إلى التشويش وضرب الثقة في العمل العمومي؟
وأثبتت التجربة أن مثل هذه الحملات لا تكون بريئة دائما، بل تدار أحيانا بمنطق الإرباك وإضعاف المصداقية. لا بمنطق المحاسبة الموضوعية.
بين الصمت والمواجهة: لماذا كان اللجوء إلى القانون ضرورياً؟
ويفسر الصمت أمام التشهير في بعد أحيان كتأكيد للإشاعة، في حين أن المواجهة القانونية تمثل دفاعا مشروعا عن الكرامة الشخصية والاعتبار المعنوي. اختيار سلوك المساطر القضائية، مع الاكتفاء برد الاعتبار والتعويض الرمزي، يعكس إيمانا بأن الهدف ليس الانتقام. بل تصحيح المسار وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وفق القانون. لا وفق الشائعات.
معركة الوعي قبل معركة القضاء
وتتجاوز القضية اليوم حدود الشخص أو المنصب، لتتحول إلى اختبار حقيقي لوعي المجتمع، ولمسؤولية الإعلام، ولنضج النقاش العمومي. فإما ننتصر لسيادة القانون والحقيقة. أو نترك المجال مفتوحاً لفوضى الاتهام والتشهير.
وتبقى الحقيقة أقوى من الضجيج، وتظل العدالة أسمى من الحملات العابرة. بينما يظل الرهان الأكبر هو بناء فضاء عام يحترم العقول قبل العناوين، والوقائع قبل الإشاعات.






