الحدث بريس : متابعة
عاد ملف الأقليات الدينية في الجزائر إلى واجهة النقاش بعد نشر تقرير مطول تناول واقع اليهود والمسيحيين في البلاد، مستعرضًا محطات تاريخية وقضايا معاصرة اعتبرها مؤشرات على تراجع قيم التعددية والتسامح، ومثيرًا تساؤلات بشأن حماية التراث الديني وحرية النشر والتعبير.
واستهل التقرير، الذي حمل عنوان “معاداة السامية وكراهية المسيحية والأقليات الدينية في الجزائر”، بالحديث عن الدور التاريخي للرياضة في التقريب بين الشعوب، قبل أن ينتقل إلى بطولة العالم المدرسية للكرة الطائرة بالصين، حيث اعتبر أن خسارة المنتخب الجزائري النسوي أمام نظيره الإسرائيلي أعادت إلى الواجهة النقاش حول الخطاب الرسمي والشعبي تجاه إسرائيل واليهود.
وتوقف التقرير مطولًا عند تاريخ الوجود اليهودي في الجزائر، مستعرضًا عدداً من المعابد التي كانت تشكل جزءًا من المشهد الديني والثقافي للبلاد قبل الاستقلال، وفي مقدمتها كنيس “شالوم ليبهار” بحي باب الوادي في العاصمة، الذي شُيد سنة 1894، مشيرًا إلى أن معظم المعابد اليهودية اختفت أو تغيرت وظيفتها بعد مغادرة غالبية اليهود الجزائر عقب الاستقلال.
كما سلط الضوء على أوضاع المقابر اليهودية والمسيحية، مستندًا إلى وثائق رسمية فرنسية وتقارير إعلامية تحدثت عن تعرض عدد منها للإهمال أو التخريب خلال العقود الماضية، إضافة إلى عمليات تجميع للمقابر أشرفت عليها السلطات الفرنسية منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، في إطار اتفاقات ثنائية مع الجزائر.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى مقاطع فيديو متداولة تعود إلى سنوات سابقة، تظهر عناصر من قوات الدرك الجزائرية وهم يرددون هتافات معادية لليهود خلال تدريبات عسكرية، معتبراً أن هذه المشاهد تعكس انتشار خطاب الكراهية داخل بعض المؤسسات، وهي ادعاءات لم يتضمن التقرير ردًا رسميًا من السلطات الجزائرية بشأنها.
كما تناول التقرير قرار السلطات الجزائرية، مطلع سنة 2025، إغلاق دار نشر “فرانتز فانون” بعد إصدار كتاب بعنوان “الجزائر اليهودية.. أنا الأخرى التي لا أعرفها إلا قليلًا” للكاتبة الجزائرية الفرنسية هادية بن سهلي، وهو القرار الذي أثار نقاشًا داخل الأوساط الثقافية والإعلامية بشأن حرية النشر وحدود الرقابة على المؤلفات التي تتناول التاريخ الديني والثقافي للبلاد.
ويرى معدّ التقرير أن الوجود اليهودي يشكل جزءًا من التاريخ الجزائري الممتد لقرون، وأن تجاهل هذا المكون أو طمس معالمه لا يخدم الذاكرة الوطنية، داعيًا إلى صون التراث الديني والثقافي واحترام التعددية، ومواجهة جميع أشكال الكراهية والتمييز.
وفي المقابل، تبقى هذه الطروحات معبرة عن وجهة نظر الجهة الناشرة للتقرير، بينما تستمر قضايا الذاكرة التاريخية، وحرية التعبير، وحماية الأقليات الدينية في الجزائر في إثارة نقاشات سياسية وثقافية وحقوقية متباينة، وسط دعوات متزايدة إلى تعزيز قيم الحوار والتعايش واحترام التنوع الديني والثقافي.