بين تراجع الأرقام واتساع الفجوة المجالية: الفقر ينحسر والعدالة الاجتماعية تغيب

24 مايو 2025
بين تراجع الأرقام واتساع الفجوة المجالية: الفقر ينحسر والعدالة الاجتماعية تغيب

انخفض عدد الفقراء في المغرب من حوالي 4 ملايين شخص سنة 2014 إلى 2,5 مليون في 2024، حسب تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP). هذا المعطى يعكس تحسنًا ملموسًا على مستوى مؤشرات الفقر متعدد الأبعاد، ويؤشر – في ظاهره – على نجاح السياسات الاجتماعية في تقليص نسب الحرمان. إلا أن التعمق في الخريطة المجالية للفقر يكشف واقعًا مغايرًا، حيث يبرز سؤال العدالة الاجتماعية والترابية كأحد أبرز التحديات غير المحسومة.

رغم تراجع نسبة السكان الذين يعيشون في وضعية فقر من 11.9% إلى 6.8%، إلا أن الفقر لا يزال يتركز في العالم القروي بنسبة تقارب 72%، وهي نسبة مرتفعة تكشف هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية في هذه المناطق، وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية كالتعليم، الصحة، البنية التحتية، وفرص الشغل. الأقاليم التي تعاني من أعلى نسب الفقر – مثل تاونات وشفشاون وشيشاوة وزاكورة – تقع جميعها خارج المحاور الحضرية الكبرى، وتُشكّل نماذج واضحة على اختلال التوازن التنموي.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حول طبيعة النموذج التنموي المعتمد، ومدى قدرته على تحقيق الإنصاف المجالي. فالتنمية التي لا تشمل الجميع لا يمكن اعتبارها تنمية ناجحة، مهما تحسّنت مؤشرات الأرقام. بل إن التركيز المفرط على “خفض النسب” قد يحجب عنا عمق الفوارق الاجتماعية، ويعطي انطباعًا زائفًا بالتحسن الشامل.

إن الفقر في المغرب لم يعد فقط ظاهرة رقمية قابلة للقياس، بل بات تعبيرًا عن فجوة بنيوية بين جهات المركز والهامش. في مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، تتزايد وتيرة الاستثمار وفرص التشغيل، في حين تظل مناطق أخرى عالقة في دوامة التهميش وضعف الإمكانات.

الحل لا يكمن فقط في توسيع برامج الدعم الاجتماعي، بل في إعادة توزيع الاستثمارات العمومية، وتعزيز اللامركزية، وتمكين الجماعات الترابية من أدوات حقيقية للتخطيط والتمويل. كما أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا بضمان الحق في التعليم الجيد، والخدمات الصحية، والسكن اللائق، والحماية الاجتماعية، لجميع المواطنين، أينما كانوا.

في المجمل يمكن القول إن تقليص عدد الفقراء خطوة إيجابية لا يجب التقليل من شأنها. لكنها، وحدها، لا تكفي. فالتحدي الأكبر يظل بناء وطن يتقاسم فيه الجميع ثمار التنمية، ويجد فيه كل فرد – سواء في تاونات أو تمارة – نفس الحظوظ في العيش الكريم. التنمية العادلة لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى شمولها لكل جهات الوطن.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.