سلسلة تحقيقات: وجوه الليل الخفية في الدار البيضاء

المقال الثاني: سلمى… حين ينكسر الحلم في صمت ويجد طريقه إلى الليل

الحدث بريس30 مارس 2026
سلمى… حين ينكسر الحلم في صمت ويجد طريقه إلى الليل
عبد اللطيف قسطاني

حين عدت إلى مكتبي بعد نشر المقال الأول، لم تكن وجوه الليل التي التقيتها هي ما يلاحقني فقط، بل كانت سلمى تحديدا. لم تكن الأكثر صخبا، ولا الأكثر حضورا في المكان، لكنها كانت الأكثر صدقا حين تكلمت. لم تحاول أن تبرر، ولم تسع إلى استعطاف، بل كانت تروي قصتها وكأنها تعترف لنفسها قبل أن تعترف لي.

عودة إلى الحكاية التي لم تنته

جلست أسترجع تفاصيل لقائنا الأول. كانت ترتدي فستانا بسيطا مقارنة ببقية النساء في المكان، تضع مكياجا خفيفا، وتتحرك بثقة لا تخلو من حذر. حين اقتربت منها، لم تبد متفاجئة، كأنها اعتادت أن يقترب منها الغرباء، لكن حين علمت أنني صحافي، تغير شيء في نظرتها. لم يكن خوفا، بل نوع من التردد… وكأنها تقف على حافة قرار: هل تفتح الباب أم تتركه مغلقا؟

قالت لي حينها:

“إلى بغيتي تكتب… كتب الحقيقة، ماشي غير داكشي اللي كيبان.”

تلك الجملة كانت بداية هذه الرحلة. رحلة إلى ماضي سلمى، إلى ما قبل الليل، إلى زمن كانت فيه فتاة عادية، تحمل حلما بسيطا، وتسير في طريق يبدو واضحا… قبل أن يتشقق كل شيء.

بيت صغير… وحلم أكبر من الجدران

ولدت سلمى في حي شعبي من أحياء الدار البيضاء، حيث الشوارع ضيقة، والأصوات متداخلة، والحياة تسير بإيقاع سريع رغم ثقلها. كان البيت الذي نشأت فيه مكونا من غرفتين، تسكنه عائلة من ستة أفراد. لم يكن الفقر في ذلك البيت حالة طارئة، بل كان جزءا من التفاصيل اليومية، مثل رائحة الخبز أو صوت التلفاز القديم.

كان والدها يعمل عامل بناء، يستيقظ قبل الفجر ويعود بعد الغروب، محملا بالتعب أكثر مما هو محمل بالمال. أما والدتها، فكانت تدير شؤون البيت بصمت، تحاول أن تجعل القليل يكفي الجميع.

وسط هذا الواقع، كانت سلمى مختلفة قليلا. لم تكن تشتكي كثيرا، ولم تكن تطلب أشياء كثيرة. كانت تقضي وقتها بين المدرسة والبيت، تحمل كتبها وكأنها تحمل وعدا بمستقبل آخر.

في المدرسة، كانت من الطالبات المتفوقات. لم تكن عبقرية، لكنها كانت مجتهدة، وهو ما جعل أساتذتها يلاحظونها. كانت إحدى معلماتها تقول لها دائما:

“أنت مشروع معلمة ناجحة… لا تضيعي هذا الطريق.”

كانت سلمى تحفظ هذه الجملة كما تحفظ دروسها. وكانت ترى في التعليم مخرجا، ليس فقط لها، بل لعائلتها بأكملها. كانت تتخيل نفسها وهي تقف أمام سبورة، تشرح لتلاميذها، وتعود إلى بيتها وهي تحمل راتبا يخفف عن والدها عبء العمل.

كان حلمها بسيطا، لكنه كان واضحا، وهذا ما جعله قويا.

سنوات الدراسة… حين يصبح الحلم خطة

حين حصلت سلمى على شهادة الباكالوريا، لم يكن ذلك إنجازا شخصيا فقط، بل كان حدثا عائليا. احتفلوا بها بطريقتهم البسيطة. اشترت لها والدتها حلوى صغيرة، وقال والدها وهو يبتسم بفخر نادر:

“دابا الطريق بدا.”

التحقت بالجامعة، واختارت مسارا يؤهلها للعمل في التعليم. لم تكن الجامعة سهلة. المسافات طويلة، القاعات مكتظة، والظروف المادية صعبة. لكنها كانت ترى في كل ذلك مجرد مراحل يجب تجاوزها.

كانت تستيقظ باكرا، تركب الحافلة المكتظة، تصل متعبة، لكنها تظل يقظة في الدروس. في المساء، كانت تعود إلى البيت، تساعد أمها، ثم تجلس للدراسة.

في بعض الأحيان، كانت تعطي دروس الدعم لأطفال الحي مقابل مبالغ بسيطة. لم يكن الهدف المال فقط، بل أيضا الشعور بأنها تقترب من حلمها.

قالت لي وهي تستعيد تلك الفترة:

“كنت كنشوف راسي فالمستقبل… كنت متأكدة أنني غادي نوصل.”

كان لديها إيمان نادر. إيمان بأن الجهد سيؤتي ثماره، وأن الطريق رغم صعوبته، يقود إلى مكان أفضل.

اللحظة التي تغير فيها كل شيء

لكن الحياة، كما اكتشفت سلمى لاحقا، لا تحترم الخطط دائما.

في إحدى السنوات، بدأ والدها يشعر بتعب غير معتاد. في البداية، اعتقدوا أنه مجرد إرهاق من العمل. لكنه لم يتحسن. بل بدأ يزداد سوءا. زيارات متكررة للطبيب، فحوصات، ثم تشخيص لم يكونوا مستعدين له: مرض مزمن يمنعه من العمل.

تقول سلمى:

“داك النهار… حسيت أن الأرض تحيدات من تحت رجلي.”

فجأة، تغير كل شيء. مصدر الدخل الوحيد في البيت اختفى، والمصاريف ازدادت. العلاج، الأدوية، احتياجات البيت… كلها أصبحت مسؤولية ثقيلة.

لم يعد بإمكان سلمى أن تكون فقط طالبة. أصبحت، دون أن تختار، المسؤولة عن إنقاذ الوضع.

بدأت تبحث عن عمل. لم تكن تبحث عن وظيفة تناسب طموحاتها، بل عن أي شيء يمكن أن يجلب المال.

اشتغلت في متجر لبيع الملابس، لساعات طويلة مقابل أجر بسيط. ثم انتقلت إلى العمل في مقهى، حيث كانت تقف لساعات، تتحمل نظرات وتعليقات الزبائن. بعد ذلك، عملت في مركز اتصال، حيث كانت تقضي الليل في الرد على مكالمات لا تنتهي.

كانت تحاول أن توازن بين العمل والدراسة، لكن التوازن كان هشا. والتعب يتراكم، والتركيز يتراجع، والحلم يبدأ في التلاشي ببطء.

حين تبدأ الخيارات في التلاشي

مع مرور الوقت، أدركت سلمى أن ما تكسبه لا يكفي. كانت تعمل كثيرا، لكنها لا تستطيع تغطية كل المصاريف. كان عليها أن تختار: إما أن تستمر في محاولة الجمع بين الدراسة والعمل، أو أن تركز على العمل لإنقاذ أسرتها.

اختارت أن تؤجل دراستها لسنة. قالت لنفسها إنها مجرد استراحة مؤقتة، وستعود أقوى.

لكن الحياة لم تمنحها تلك الفرصة.

في تلك الفترة، تعرفت على فتاة من الحي، كانت تعمل في أحد الملاهي الليلية. لم تكن صداقة عميقة، لكنها كانت كافية لفتح باب لم تكن سلمى تفكر فيه من قبل.

قالت لها الفتاة:

“كاينة خدمة… ماشي سهلة، ولكن كتدخل الفلوس.”

في البداية، رفضت سلمى الفكرة. كان هناك حاجز نفسي، أخلاقي، وربما خوف من المجهول. لكنها في الوقت نفسه، كانت ترى الواقع يضيق حولها.

تقول:

“بقيت كنفكر… أيام وأيام. ما كانش قرار ساهل.”

لكن في النهاية، لم يكن القرار بين خيارين جيدين… بل بين سيء وأسوأ.

الدخول إلى العالم الذي لم تختره

في الليلة التي قررت فيها أن تذهب، لم تخبر أحدا. خرجت من البيت وكأنها ذاهبة إلى عمل عادي، لكنها كانت تعرف أنها تتجه إلى مكان سيغير حياتها.

حين وصلت، شعرت بالغربة. المكان كان مليئا بالأضواء، والموسيقى، والوجوه التي لا تشبه عالمها. شعرت للحظة أنها أخطأت، وأن عليها أن تعود.

لكنها لم تعد.

دخلت، وجلست، وراقبت. في تلك الليلة، لم تفعل الكثير. كانت تتعلم، تراقب، تحاول أن تفهم القواعد غير المكتوبة لهذا العالم.

لتقول:

“كنت كنحس براسي دخيلة… ولكن كنت محتاجة نبقى.”

في الأيام التالية، بدأت تتأقلم. تعلمت كيف تتحدث، كيف تتصرف، كيف تحمي نفسها في حدود الممكن.

لكن في الداخل، كان هناك صوت لا يتوقف:

“هذه ليست أنت.”

التغير الذي يحدث بصمت

لم يكن هناك يوم محدد يمكن أن تقول فيه سلمى إنها أصبحت جزءا من هذا العالم. كان التغير تدريجيا، بطيئا، لكنه عميق.

في البداية، كانت تعود إلى البيت وهي منهارة. تبكي في صمت، تحاول أن تفهم ما حدث. كانت تشعر بالذنب، بالخوف، وبشيء يشبه الخسارة.

لكن مع الوقت، بدأت المشاعر تخف… أو ربما بدأت تتبلد.

قالت لي:

“الإنسان كيقدر يتأقلم مع أي حاجة… حتى مع الحاجة اللي ما كيبغيهاش.”

بدأت تبتسم بسهولة أكبر، تتحدث بثقة، وتؤدي الدور المطلوب منها. لكنها كانت تعرف أن ذلك مجرد قناع.

في كل مرة تنظر فيها إلى المرآة، كانت ترى شخصا يشبهها… لكنه ليس هي تماما.

بين الإنقاذ والضياع

رغم كل شيء، كانت سلمى ترى جانبا إيجابيا واحدا: المال. كانت قادرة على مساعدة أسرتها، على دفع تكاليف العلاج، على توفير احتياجات البيت.

قالت:

“كنت كنحس أنني كننقذهم… ولكن ما كنتش عارفة أنني كنضيع.”

كانت تلك المفارقة تؤلمها. كانت تفعل الشيء الصحيح من أجل الآخرين، لكنها تدفع ثمنه من نفسها.

في بعض الليالي، كانت تفكر في العودة إلى الدراسة. كانت تقول لنفسها: “غدا نرجع”، لكن الغد كان يأتي، ويأخذها معه إلى نفس المكان.

حين يصبح الليل هو الواقع الوحيد

مرت السنوات، وأصبح الليل هو حياتها الأساسية. لم تعد تفكر في الجامعة، ولا في مهنة التعليم. الحلم لم يعد حاضرا، بل أصبح ذكرى بعيدة.

تقول:

“الحلم ما ماتش فجأة… غير تلاشى.”

في تلك المرحلة، لم تعد تسأل “لماذا”، بل أصبحت تسأل “كيف أستمر”.

كانت تعرف أنها ليست وحدها. كانت ترى نساء أخريات، لكل واحدة قصتها، لكن النتيجة واحدة.

لقاء الحقيقة

حين جلست معي، لم تكن تحاول أن تبرر أو تبرئ نفسها. كانت فقط تريد أن تفهم.

قالت:

“الناس كيشوفو غير النتيجة… ما كيشوفوش الطريق.”

كانت تعرف أن المجتمع لن يرحمها، وأن قصتها ستختصر في حكم سريع. لكنها كانت تريد أن تقول إن الحياة أكثر تعقيدا من ذلك.

سلمى ليست حالة فردية

قصة سلمى ليست مجرد قصة شخصية، بل هي مرآة لواقع أوسع. واقع يجعل الأحلام هشة، والخيارات محدودة، والطريق إلى الليل أقصر مما نظن.

حين غادرت لقائي معها، شعرت أنني لم أكتب فقط عن امرأة، بل عن نظام كامل من الظروف التي تدفع الناس إلى أماكن لم يختاروها.

ويبقى السؤال مفتوحا:

كم من حلم آخر ينتظر أن ينكسر… قبل أن يجد طريقه إلى الليل؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.