أعلنت السفارة الأمريكية بالدار البيضاء عن توقيع مذكرة تفاهم بمدينة الداخلة لإطلاق مشروع أمريكي–مغربي لمعالجة سمك السلمون البري القادم من ألاسكا داخل وحدات صناعية مغربية، في خطوة تحمل دلالات اقتصادية وسياسية واسعة. وبالرغم من أن الخبر يبدو تقنيا في ظاهره، إلا أنه، وبشكل أوضح، يكشف عن تحول نوعي في طبيعة الشراكة بين واشنطن والرباط.
نحو ترسيخ موقع الداخلة… لماذا اختارت واشنطن الجنوب المغربي؟
ويتأكد مع تتالي الاستثمارات الدولية في الأقاليم الجنوبية أن اختيار الداخلة لم يكن اعتباطيا. بل جاء نتيجة عوامل متشابكة، أبرزها: توفر المدينة على بنية لوجستيكية متطورة تؤهلها للاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، إضافة لموقعها الأطلسي الذي يسمح بربط مسارات النقل بين أمريكا وإفريقيا وأوروبا، فضلا عن رغبة واشنطن في تعزيز حضورها الاقتصادي داخل منطقة تعرف منافسة جيو-اقتصادية حادة. وهكذا، يمكن القول أن المشروع يعد ترسيخا عمليا لمكانة الداخلة كقطب اقتصادي صاعد.
مكاسب المغرب… من التصنيع المحلي إلى النفاذ للأسواق العالمية
ويتقدم المغرب خطوة جديدة نحو تعزيز مكانته في الصناعات الغذائية العالمية، إذ يمنح المشروع المملكة فرصا متعددة: أولها نقل تكنولوجيا معالجة السلمون، وهي تقنية غير متوفرة حاليا في المنطقة، وكذلك خلق مئات فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتعزيز تنافسية المغرب في سوق المنتجات البحرية عالية الجودة. وبذلك، لا يمثل المشروع مجرد نشاط صناعي جديد، بل، وبشكل أوضح، يضع المغرب ضمن الدول الفاعلة في الأمن الغذائي الأطلسي.
ماذا تكسب الولايات المتحدة؟… اقتصاد أقل كلفة ونفوذ أكبر
وستستفيد الولايات المتحدة من جملة مكاسب استراتيجية، أبرزها: تخفيض تكاليف المعالجة مقارنة بالمصانع الأمريكية. وتنويع مواقع الإنتاج لحماية سلسلة التوريد من المخاطر الجيوسياسية. وتعزيز نفوذها في غرب إفريقيا عبر شراكات اقتصادية لا تعتمد فقط على التعاون العسكري. أي أن هذا المشروع سيجعل المغرب شريكا إنتاجيا وليس فقط شريكا سياسيا.
أبعاد سياسية غير معلنة… واستراتيجية أمريكية طويلة الأمد
ويتضح من خلفيات هذا المشروع، أنه يتجاوز الجانب الاقتصادي. إذ يحمل رسائل سياسية واضحة: كتثبيت استثمارات أمريكية مباشرة داخل الأقاليم الجنوبية. وهو دعم فعلي للمبادرة المغربية، وإدماج المغرب في الاستراتيجية الأمريكية للمحيط الأطلسي، وكذلك تقوية التحالف الاقتصادي في مواجهة النفوذ الصيني والروسي في المنطقة. ومن ثم، يصبح المشروع جزءا من رؤية أمريكية مستمرة منذ سنوات، لا مجرد صفقة صناعية.
الداخلة تتحول… من مدينة ساحلية إلى منصة أطلسية
وستتحول الداخلة تدريجيا إلى مركز اقتصادي محوري، نتيجة تراكم هذه المشاريع، خصوصا مع: مشاريع الطاقة المتجددة، ميناء الداخلة الأطلسي، وتوطين الشركات الأمريكية والأوروبية. ومع هذا الاتفاق، تنتقل المدينة إلى مستوى جديد من الاندماج في الصناعات البحرية العالمية ذات القيمة العالية.
اتفاق صغير… بدلالات كبيرة
ويتضح أن مذكرة التفاهم المتعلقة بـ”سلمون ألاسكا” ليست مجرد تعاون تجاري، بل هي حلقة جديدة في هندسة شراكة أمريكية–مغربية تتجه نحو الاستثمار الاستراتيجي. ونحو بناء تواجد اقتصادي أمريكي مستدام داخل الأقاليم الجنوبية.














