بقلم : حسن بعلوان
كلما اجترحت المخيلة الفنية فكرة مغايرة وسابقة لزمنها في مجتمع ما، تندلع فوراً معارك الضجة والتشكيك في مشروعية العمل وأهليته للعرض. تصبح الأزمة أشد ضراوة عندما يلامس هذا المنتج سواء كان أدباً، أو نحتاً، أو سينما او موسيقى تخوم المعتقدات الدينية أو يدور في كنفها. هذا الصدام المعرفي والجمالي هو العنوان الأبرز الذي يختزل محنة الفيلم الأخير للمخرج هشام العسري، المعنون بـ “المطرود من رحمة الله”Thank You Satan”خرافة سينمائية” كما يصفها مبدعها، لكنها تحولت إلى قضية رأي عام فني.
الرقابة الشعبية بوصفها “متحدثاً” غير رسمي
بفعل ضغوط مارستها مجالس علمية ودينية، وجمعيات نصّبت نفسها وصية على الأخلاق العامة وأفتت بمنع الشريط، سُحب الفيلم من قاعات العرض السينمائية ، الغريب في الأمر أن هذه الكيانات، برغم بعدها التام والبنيوي عن لغة السينما وآلياتها، قامت بمهمة التحدث بالنيابة عن 40 مليون مواطن يعيشون في هذا البلد. إن مصادرة حق هذه الملايين من المغاربة في المشاهدة الحرة وإبداء الرأي يمثل تراجعاً نقديا؛ فصوت المواطن وموقعه التفاعلي هو حجر الزاوية في كل مجالات الحياة، ولا يمكن إقصاؤه من المجال الفني والجمالي الذي يتغذى أساساً على التعددية.
لقد حظيت مؤخراً بفرصة استثنائية لمشاهدة الفيلم، بفضل التفاته نبيلة من المخرج هشام العسري الذي أشكره على كرم تقاسمه للعمل معي و بعفوية خالصة ، وهو ما أتاح لي إمكانية قراءته وإبداء رأي شخصي ينطلق من شغفي واهتمامي بالميدان السينمائي. والواقع أن العسري يرسخ مجدداً هويته كمخرج يقدم سينما خاصة جداً لا تشبه أحداً . إن من يملك جَلَد متابعة أفلامه السابقة من البداية حتى الـ “جينيريك” الأخير، سيدرك حتماً عمق الأسلوب الذي يفكك به “مكامن اللامرئي”؛ فبينما يكتفي البعض بتصوير أي شيء لملء الإطار الزمني للمشهد، يختار العسري بعناية تصوير ما يراه الآخرون بلا جدوى أو قيمة.
باريس 1993: عندما تبتلع الأزمة هيبة المثقف
في “المطرود من رحمة الله”، يعود بنا العسري إلى فضاء باريسي مغلق عام 1993 . في هذا الفضاء، يستدعي المخرج بشكل فانتازي وساخر أجواء “الفتوى” الشهيرة التي لاحقت الكاتب سلمان رشدي ، ليصنع منها خلفية لكوميديا سوداء قاتمة ومثيرة للجدل .
يضعنا الفيلم أمام بورتريه مزدوج لتبادل الأدوار والمصائر داخل فندق ليلى :
“سيرج”(Serge) موظف الاستقبال الليلي، وهو كاتب فرنسي فاشل يعيش إحباطاً إبداعياً وضائقة مالية حادة
“رحمان”: الكاتب المستهدف بفتوى القتل والمهدد بتصفية جسدية مقابل مكافأة مالية يسيل لها اللعاب
هنا تكمن القوة التفكيكية لسينما العسري؛ فهو لا يبحث عن إدانة الراديكالية الدينية بشكلها الفج المعتاد، بل يغوص في الانحدار الأخلاقي والسيكولوجي للآخر. يتحول “سيرج” الرازح تحت وطأة الحاجة المادية إلى صياد جوائز، مستعد لإنفاذ “الفتوى” وهدر دم زميله الكاتب من أجل المال .إنها تعرية بصرية قاسية للكيفية التي يتواطأ بها الجهل الباريسي مع التعصب الشرقي، ليصبح الإنسان مجرد أداة في بورصة الموت .
فتنة التسمية وجدلية “المقدس والمدنس”
يتلاعب العسري بسيميائية العنونة بذكاء حاد؛ فالمفارقة الصادمة بين العنوان العربي “المطرود من رحمة الله” والعنوان الإنجليزي “Thank You Satan” تعكس الفصام السلوكي للمجتمعات المحافظة في تعاطيها مع قضايا الإيمان والحرية
بصرياً، يعتمد الفيلم على كسر التابوهات عبر لقطات سريالية جريئة؛ يمزج فيها بين تداخل الأصوات والمؤثرات ذات الطابع الديني (كالترتيل) مع مشاهد ذات حميمية مفرطة أو فضاءات مأزومة. هذه الخيارات الجمالية لم تكن كما ادعت لجان المنع مجرد استعراض مجاني أو رغبة في الإثارة ، بل هي مشرط سينمائي وُضع على موضع الألم لمساءلة النفاق القيمي، وفحص الهشاشة الإنسانية أمام بريق المادة وسلطة الخوف.
خلاصة القول
إن فيلم “المطرود من رحمة الله” يؤكد أن معركتنا الحقيقية ليست مع الشاشة، بل مع العقول التي تخشى مواجهة المرآة . المنع وسحب الفيلم لم يحمِ المجتمع، بل حرم المواطن من حقه الطبيعي في النقد والتمحيص والمشاهدة. لقد انتصر هشام العسري مجدداً لسينما النخبة، سينما الأسئلة المقلقة التي تجبرنا على التفكير، مبرهناً على أن الوصاية على الفن هي الوجه الآخر لعدم الثقة في وعي الشعوب .