كلما أعلن عن زيادة جديدة في أسعار السجائر، يتجدد الجدل في الشارع وبين الخبراء: هل يتعلق الأمر بإجراء صحي يهدف إلى الحد من التدخين، أم بسياسة جبائية تسعى إلى ملء خزينة الدولة؟ فالسيجارة لم تعد مجرد منتج استهلاكي، بل تحولت إلى قضية اقتصادية واجتماعية وصحية متشابكة، تمس ملايين المدخنين وتؤثر في توازنات السوق والمالية العمومية.
لماذا ترفع الدولة أسعار السجائر؟
تعتمد معظم الدول، ومن بينها المغرب، على الضرائب المفروضة على التبغ كأداة مزدوجة:من جهة أداة مالية لزيادة المداخيل الجبائية، و من جهة أخرى أداة صحية للحد من استهلاك منتج ضار.
فالسجائر تعد من أكثر المواد خضوعا للضرائب غير المباشرة، حيث تشكل الرسوم والضرائب جزءا كبيرا من سعر العلبة النهائي. وكل زيادة جديدة تعني مداخيل إضافية لخزينة الدولة، خاصة في ظل ضغوط اجتماعية ومالية متزايدة.
التأثير المباشر على المستهلك
المدخن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالزيادة في الأسعار: تستنزف القدرة الشرائية، خصوصًا لدى ذوي الدخل المحدود. وتدفع بعض المدخنين إلى تقليص الاستهلاك أو الإقلاع القسري. في المقابل، تدفع فئات أخرى نحو البحث عن بدائل أرخص
وهنا يظهر الوجه الاجتماعي للقرار، حيث تتحول السيجارة من عادة يومية إلى عبء مالي متزايد.
السوق الموازية… الوجه الخفي للزيادات
كلما ارتفع السعر الرسمي للسجائر، انتعشت السوق السوداء: بدءا من تهريب السجائر من الخارج، مرورا بترويج منتجات غير خاضعة للرقابة، وصولا إلى انتشار سجائر مجهولة المصدر وأشد ضررًا.
وهذا ما يطرح مفارقة حقيقية: هل تؤدي الزيادة إلى حماية صحة المواطن، أم إلى تعريضه لمخاطر أكبر؟
بين الخطاب الصحي والواقع
من الناحية النظرية، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن رفع أسعار التبغ من أنجع الوسائل للحد من التدخين. لكن فعالية هذا الإجراء تبقى رهينة بـ: وجود برامج فعلية للمساعدة على الإقلاع، وحملات توعوية مستمرة، مع مراقبة صارمة للأسواق الموازية. من دون هذه الشروط، تتحول الزيادة إلى إجراء مالي أكثر منه صحي.
من يستفيد ومن يدفع الثمن؟
في ما يخص الدولة: تستفيد من ارتفاع المداخيل الضريبية. أما شركات التبغ: غالبًا ما تحافظ على هوامش أرباحها. والمواطن يدفع الثمن مضاعفًا، صحيًا وماليًا
هذا التفاوت يعمّق الشعور بأن القرار لا يراعي العدالة الاجتماعية بشكل كافٍ.
هل من بدائل أكثر نجاعة؟
لمعالجة إشكالية التدخين بشكل شامل، يقترح الخبراء: تخصيص جزء واضح من عائدات الضرائب لقطاع الصحة، خلق برامج الإقلاع عن التدخين، ثم تشديد الرقابة على التهريب، كذلك إدماج التربية الصحية في المدارس
فالرهان الحقيقي ليس في رفع السعر فقط، بل في تغيير السلوك.
زيادة الأسعار ليست حلا سحريا
الزيادة في أسعار السجائر قد تكون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل إجراء ناقصا إن لم تواكب بسياسة صحية متكاملة. فمحاربة التدخين لا تختزل في الضغط على جيب المدخن، بل في حمايته وتوفير بدائل وحلول واقعية.
وفي ظل استمرار الجدل، يبقى السؤال مفتوحا: هل تهدف هذه الزيادات فعلا إلى إنقاذ الأرواح، أم فقط إلى إنعاش الخزينة؟






