بقلم :مصطفى هادي
شكل الخطاب الملكي السامي بافتتاح الولاية التشريعية الجديدة ميثاقاً بنيوياً للرؤية الاستراتيجية للمملكة، ولم يكن مجرد تدشين بروتوكولي عابر. فقد وضع جلالة الملك محمد السادس النخب السياسية والترابية أمام مسؤولياتها الميدانية المباشرة، مخرجاً “الانتداب الانتخابي” من خانة التمثيلية الموسمية ليرقى به إلى مرتبة “الالتزام السياسي والتعاقد الأخلاقي” مع المواطن والدولة. هذا التعاقد يفرض على المنتخبين بموجب المقتضيات الدستورية (خاصة الباب التاسع منها) قيادة “منعطف حقيقي” يقطع مع التماطل والبيروقراطية المقيدة، ويركز الجهود حول رهانات حيوية تقع في صلب تطلعات جيل “الزيد” (Gen Z)، وعلى رأسها: الاستدامة البيئية والأمن المائي، وبناء منظومة استثمارية رقمية ومستدامة .
ينطلق تنزيل هذا التعاقد الأخلاقي من الاستجابة للتشخيص الملكي الحازم لواقع الإجهاد المائي، باعتبار أن التزود بالماء ركيزة أساسية للاستقرار المجالي. هذا الملف يمس بشكل مباشر جيل “الزيد” الذي يتميز بوعي بيئي مرتفع وقلق متزايد بشأن التغير المناخي، مما يفرض على المنتخبين تفعيل القوانين التنظيمية برؤية مستدامة تتجاوز الحلول الترقيعية أن على مستوى:
جماعات القرب (ق.ت 113.14): تفعيل المادة 92 لابتكار حلول ذكية في تدبير المياه، كالتوسع في إعادة تدوير المياه العادمة لسقي المساحات الخضراء، واعتماد تقنيات الرصد الرقمي للتسربات.
العمالات والأقاليم (ق.ت 112.14): إشراك الكفاءات الشابة في وضع برامج فك العزلة المائية عن المناطق القروية لضمان الاستقرار المجالي للشباب في قراهم.
الالتقائية الإستراتيجية: التنسيق مع وكالات الأحواض المائية لدمج العدالة البيئية في المخططات الترابية، تلبيةً لمطالب الشباب في حماية حق الأجيال القادمة في الثروة المائية.
ولا يمكن عزل هذا الاستقرار المائي والبيئي عن بيئة الاستثمار الترابي؛ إذ أكد الخطاب الملكي أن طموح المغرب كـ “قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة” يشترط خلق فرص شغل حقيقية للشباب، وجعلهم في صدارة السياسات العمومية. وبما أن جيل “الزيد” لا يبحث عن الوظائف التقليدية، بل يطالب بفرص في الاقتصاد الرقمي، الابتكار، والمقاولات الناشئة، فإن ذلك يسائل أدوار المنتخبين في تهيئة بيئة الأعمال الترابية:
التموقع الاستراتيجي للجهة (ق.ت 111.14): استغلال المادة 80 لتهيئة مناطق أنشطة اقتصادية حديثة وحواضن مقاولات تدعم العمل المرن، والشركات الناشئة ، والمشاريع التكنولوجية للشباب.
الجيل الجديد لبرامج التنمية (PDR): صياغة برامج تنموية تدمج ميثاق الاستثمار الجديد، وتوجه الدعم المالي نحو قطاعات الطاقات المتجددة والرقمنة التي تستهوي النخب الشابة.
الحكامة والرقمنة الإدارية: العمل مع المراكز الجهوية للاستثمار لرقمنة المساطر الإدارية بالكامل، تماشياً مع طبيعة جيل “الزيد” الرقمية
الذي يرفض البيروقراطية المعطلة للمشاريع.
وتأسيساً على هذا الترابط بين استدامة الموارد وجاذبية الاستثمار، فإن التلازم الذي أقره الخطاب الملكي بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية يفرض على المنتخبين القطع مع “الأنانية الانتخابية الضيقة”، وعدم حصر الفرص في الحواضر الكبرى وتهميش الأطراف. وتكريساً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يتعين على المجالس الترابية تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية والهيئات الاستشارية للشباب المنصوص عليها في القوانين التنظيمية الثلاثة ؛ إذ لا يمكن صياغة حلول لجيل “الزيد” دون إشراكه الفعلي في صناعة القرار الترابي والإنصات لمطالبه عبر قنوات رقمية وتفاعلية شفافة تضمن التوزيع العادل لثمار التنمية.
تتضح معالم المرحلة القادمة اليوم بوقوف المغرب في محطة حاسمة لا تقبل أنصاف الحلول أو الاختباء خلف ذرائع الإدارة المركزية. إن القوانين التنظيمية تمنح المنتخبين ترسانة قانونية كافية للتحرك والابتكار الترابي ؛ والقعود بعد اليوم هو إخلال بالتعاقد الأخلاقي والسياسي. إن ربح رهان المستقبل مشروط بمدى قدرة هذه النخب على بناء جهات ترابية قادرة على تأمين قطرة الماء، واستيعاب طاقات جيل “الزيد” عبر اقتصاد حديث ومستدام، لتتحول المجالس المنتخبة من غرف تدبيرية مغلقة إلى رافعات حقيقية للأمن الاستراتيجي للمملكة.
النجاعة الترابية وتحديات الأمن الاستراتيجي
رابط المقال المختصر
https://alhadath.press.ma/?p=304594