الحدث بريس : متابعة
يشهد المغرب تحولات متسارعة في مجال الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، مدفوعاً برغبة متزايدة في التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
و برزت في هذا الإطار، إعادة تدوير النفايات النسيجية كواحدة من أبرز الفرص الصناعية الواعدة التي قد تساهم في إحداث نقلة نوعية داخل قطاع النسيج، أحد أهم القطاعات الإنتاجية والتصديرية بالمملكة.
و أظهرت نتائج تجربة تجريبية أشرفت عليها مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، أن إعادة تدوير مخلفات النسيج في المغرب لم تعد مجرد مبادرة بيئية تهدف إلى الحد من النفايات، بل أصبحت مشروعاً اقتصاديا متكاملا يحمل في طياته إمكانيات كبيرة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وخلق فرص الشغل وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المغربية.
ويعد قطاع النسيج من بين القطاعات الأكثر إنتاجاً للنفايات على الصعيد العالمي، ما دفع العديد من الدول إلى تبني نماذج اقتصادية جديدة تقوم على إعادة الاستخدام والتدوير بدل الاعتماد على الإنتاج والاستهلاك التقليديين.
ويملك المغرب في هذا السياق مؤهلات مهمة تؤهله للانخراط بقوة في هذا التحول، بالنظر إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي وقربه من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى توفره على قاعدة صناعية متطورة نسبياً في مجال النسيج والألبسة.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل التشريعات البيئية الجديدة التي بدأت الأسواق الأوروبية في اعتمادها، والتي تفرض على الشركات المصنعة احترام معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بالاستدامة وتقليص النفايات والانبعاثات الكربونية. وهو ما يمنح المنتجات المغربية المعاد تدويرها فرصة أكبر للولوج إلى الأسواق الدولية وتعزيز حضورها في سلاسل التوريد العالمية.
ومن المتوقع أن يسهم تطوير صناعة إعادة تدوير النسيج في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء في عمليات جمع وفرز النفايات أو في مراحل المعالجة والتصنيع وإنتاج المواد الجديدة.
كما يمكن أن يشجع ظهور مقاولات ناشئة ومشاريع مبتكرة متخصصة في الاقتصاد الدائري، بما يعزز الدينامية الاقتصادية المحلية ويخلق قيمة مضافة جديدة.
ولا تقتصر فوائد هذا التوجه على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البعد البيئي من خلال تقليص حجم النفايات الموجهة إلى المطارح العمومية، والحد من استهلاك الموارد الطبيعية المستخدمة في إنتاج الأقمشة والملابس، فضلاً عن تقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
ويرى خبراء أن نجاح التجربة التجريبية يشكل خطوة أولى نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لإعادة تدوير النسيج، قادرة على تحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية ذات قيمة، وتعزيز مكانة المغرب كوجهة صناعية مستدامة تستجيب للمعايير البيئية الدولية.
ومع تنامي الاهتمام العالمي بالاقتصاد الأخضر، تبدو المملكة أمام فرصة حقيقية لتحويل تحديات النفايات إلى رافعة للتنمية والاستثمار، بما يرسخ نموذجاً جديداً للصناعة المغربية يجمع بين الربحية الاقتصادية والمسؤولية البيئية، ويعزز موقع البلاد ضمن الاقتصادات الصاعدة التي تراهن على الابتكار والاستدامة لتحقيق التنمية المنشودة.