أعادت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إشعال فتيل التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي، ما أدى إلى تسجيل زيادات ملحوظة في الأسعار الشهرية، في مشهد يعيد إلى الأذهان فترة ما بعد جائحة كورونا، حين واجه الأمريكيون موجة غلاء غير مسبوقة.
وأفادت تقديرات اقتصاديين، استنادًا إلى استطلاعات حديثة قبيل صدور بيانات مكتب إحصاءات العمل، بأن مؤشر أسعار المستهلكين مرشح للارتفاع بنسبة 1% خلال شهر مارس مقارنة بفبراير، وهو أعلى معدل شهري منذ قرابة أربع سنوات، ما يعكس حجم الصدمة التي تلقاها الاقتصاد جراء التوترات الجيوسياسية الأخيرة.
الحرب تقود موجة الغلاء عبر بوابة الطاقة
في هذا السياق، برز قطاع الطاقة كمحرك رئيسي لارتفاع التضخم، حيث أدى التصعيد العسكري المرتبط بإيران إلى قفزة سريعة في أسعار النفط ومشتقاته، من بنزين وديزل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف النقل والإنتاج.
كما امتدت تداعيات هذه الزيادات إلى قطاعات أخرى، من بينها الأسمدة والسلع الصناعية. التي تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. مما ساهم في توسيع دائرة الغلاء لتشمل مختلف جوانب الحياة اليومية للمستهلك الأمريكي.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار مؤخرًا، إلا أن اقتصاديين حذروا من أن أي انفراج في الأسعار لن يظهر بشكل فوري. بالنظر إلى بطء انتقال تأثيرات الأسواق العالمية إلى المستهلك النهائي.
مؤشرات مقلقة في ظل الحرب وتغير سريع في المشهد
وفي المقابل، أظهرت بيانات صادرة عن القطاع الخاص تسارعًا أكبر في وتيرة التضخم. حيث سجل مؤشر “State Street PriceStats” ارتفاعًا شهريًا بنسبة 1.5% خلال مارس، وهو أعلى مستوى منذ بدء تتبع هذه البيانات سنة 2008.
أما على أساس سنوي، فقد بلغ التضخم وفق نفس المؤشر حوالي 4%. وهو مستوى لم يُسجل منذ بداية سنة 2023، ما يعكس تحولا سريعا في منحى الأسعار خلال فترة زمنية وجيزة.
ويأتي هذا التطور في وقت يواصل فيه التضخم الأمريكي تسجيل مستويات تفوق هدف الاحتياطي الفيدرالي المحدد في 2%. للسنة الخامسة على التوالي، رغم التراجع النسبي الذي شهده منذ ذروته في 2022.
ضغوط سياسية وقرارات مرتقبة
من جهة أخرى، يتوقع أن يزيد هذا الارتفاع في الأسعار من الضغوط على إدارة الرئيس الأمريكي. التي وضعت مكافحة التضخم في صلب وعودها السياسية، خاصة في ظل تزايد القلق الشعبي بشأن القدرة الشرائية.
كما يُرجح أن يُعقد تقرير التضخم المرتقب مهمة الاحتياطي الفيدرالي. الذي اختار في الآونة الأخيرة تثبيت أسعار الفائدة، في انتظار مؤشرات أوضح بشأن مسار الاقتصاد.
ويرى محللون أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفع صناع القرار إلى الإبقاء على تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول. بل وربما إعادة النظر في أي خطط مستقبلية لخفض أسعار الفائدة.
وفي المحصلة، يبدو أن الاقتصاد الأمريكي يدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين. حيث تتقاطع التوترات الجيوسياسية مع التحديات المالية، في مشهد قد يعيد رسم ملامح السياسات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة.






