توفي رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ليونيل جوسبان ، أحد أبرز رموز اليسار في فرنسا، عن عمر ناهز 88 سنة، بحسب ما أعلنت عائلته، منهياً بذلك مسيرة سياسية طويلة بصمت الحياة الحزبية والحكومية خلال عقود.
وبرز جوسبان كأحد مهندسي ما عرف بـ”اليسار التعددي”، كما ترك إرثا سياسيا واجتماعيا لا يزال محل نقاش، خاصة بسبب مواقفه المثيرة للجدل تجاه قضايا الشرق الأوسط.
مسار سياسي حافل وصعود داخل الحزب الاشتراكي
وانخرط جوسبان مبكرا في العمل السياسي، حيث تدرج داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي. وتولى منصب السكرتير الأول للحزب في فترتين متباعدتين، ما مكّنه من لعب دور محوري في إعادة هيكلة اليسار الفرنسي.
وخلال مسيرته، خاض الانتخابات الرئاسية مرتين؛ إذ واجه سنة 1995 الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك وخسر أمامه. قبل أن يتلقى هزيمة مفاجئة سنة 2002. بعدما فشل في بلوغ الدور الثاني لصالح زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبن.
كما شكل هذا الإخفاق صدمة سياسية في فرنسا. ومهد الطريق لعودة شيراك إلى الحكم لولاية ثانية، في لحظة اعتُبرت منعطفاً حاسماً في تاريخ اليسار الفرنسي.
إصلاحات جوسبان وتجربة “اليسار التعددي”
تولى جوسبان رئاسة الحكومة الفرنسية بين 1997 و2002. واستثمر الظرفية الاقتصادية الملائمة لتنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية البارزة.
فقد أقر خفض ساعات العمل الأسبوعية إلى 35 ساعة. كما أطلق برامج للتغطية الصحية الشاملة، وسعى إلى تعزيز العدالة الاجتماعية. وفي السياق ذاته، اعتمد نموذج “اليسار التعددي”، حيث ضمت حكومته وزراء من الاشتراكيين و”الخضر” والشيوعيين، في تجربة سياسية غير مسبوقة.
غير أن هذه التجربة، رغم طابعها التوافقي، واجهت تحديات داخلية. خاصة مع تشتت مكونات اليسار، وهو ما ظهر جليا في انتخابات 2002.
مواقف جوسبان المثيرة للجدل في العالم العربي
أثار جوسبان انتقادات واسعة في العالم العربي، خاصة عقب تصريحاته سنة 2000. حين أدان هجمات “حزب الله” ضد إسرائيل، واعتبرها “هجمات إرهابية”، في موقف شكل تحولاً عن السياسة الفرنسية التقليدية.
وخلال زيارته إلى الأراضي الفلسطينية، واجه احتجاجات طلابية غاضبة في جامعة بيرزيت، حيث رُفعت شعارات مناهضة لموقفه، قبل أن يتعرض موكبه للرشق بالحجارة أثناء مغادرته.
كما أثارت تصريحاته ردود فعل غاضبة في عدد من الدول العربية، من بينها مصر وسوريا، بينما واجه أيضاً انتقادات داخل فرنسا، خاصة من الرئيس آنذاك جاك شيراك، الذي ذكّره بحساسية الدور الفرنسي في الشرق الأوسط.
اعتزال السياسة ونهاية المسار
عقب هزيمته الانتخابية سنة 2002، أعلن جوسبان انسحابه من الحياة السياسية، وابتعد لسنوات عن النقاش العام، قبل أن يعود بشكل محدود خلال ولاية الرئيس فرانسوا هولاند، حيث ترأس لجنة حول أخلاقيات العمل السياسي.
كما شغل عضوية المجلس الدستوري بين 2014 و2019، مواصلاً حضوره المؤسساتي بعيداً عن الواجهة السياسية المباشرة.
وبرحيل جوسبان، تطوي فرنسا صفحة أحد أبرز وجوه اليسار، الذي جمع بين الإصلاح الاجتماعي والجدل السياسي، وترك إرثا معقدا لا يزال يثير النقاش داخل فرنسا وخارجها















