الأقمار في كوكبة “الحوسبة ثلاثية الأجسام” تجسد رؤية صينية لأدمغة تعمل في الفضاء

الحدث بريس15 فبراير 2026
الأقمار في كوكبة “الحوسبة ثلاثية الأجسام” تجسد رؤية صينية لأدمغة تعمل في الفضاء.

أطلقت الصين في ماي 2025 أول دفعة من مشروع “كوكبة الحوسبة ثلاثية الأجسام”، ومن ثم بدأت مرحلة تجريبية استمرت تسعة أشهر، وخلالها أثبت النظام فعاليته على مستويات متعددة. فمن جهة، تمكنت الكوكبة من إنشاء شبكة اتصال متكاملة بين الأقمار، ومن جهة أخرى أظهرت قدرة ملحوظة على إجراء عمليات حوسبة متقدمة في المدار. وبالإضافة إلى ذلك، جرى نشر نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة داخل الأقمار، الأمر الذي عزز من أدائها التشغيلي. كما أن النظام استطاع التحقق من أداء الحمولات ومرونتها التشغيلية، وهو ما أكد جاهزيته للتوسع.

وجاءت الكوكبة الجديدة التي تمت إضافتها لاحقا لتشمل 10 نماذج ذكاء اصطناعي تعمل مباشرة في المدار، وبالتالي أصبحت هذه المنظومة أشبه بـ “مركز بيانات عائم” فوق الأرض، مما يعكس انتقال الصين من مجرد إطلاق أقمار اصطناعية إلى بناء بنية تحتية فضائية تعتمد بعمق على الذكاء الاصطناعي.

كوكبة “الحوسبة ثلاثية الأجسام”: رؤية صينية لأدمغة تعمل في الفضاء

وتمكن هذا النموذج في نوفمبر 2025 من مسح مساحة تصل إلى 189 كيلومترا مربعا في شمال غرب الصين، وتمكن في الوقت نفسه من التعرف تلقائيا على البنى التحتية مثل الملاعب والجسور، رغم الغطاء الثلجي الكثيف الذي كان يغطي المنطقة. وبذلك، يعد هذا الإنجاز خطوة متقدمة في مجال الرصد الفضائي، لأنه يقلل بدرجة كبيرة الحاجة إلى معالجة البيانات على الأرض، وبالتالي يسرع عملية التحليل والاستخدام.

وتعتمد الكوكبة أيضا على نموذج فلكي زمني بالحجم ذاته، حيث يستخدم هذا النموذج في دراسة الظواهر الكونية المعقدة، بما في ذلك الأشعة السينية وانفجارات أشعة غاما. ومن خلال قدراته المتقدمة، فإنه يساهم في توسيع آفاق البحث العلمي ويمنح العلماء أدوات أكثر دقة للتعامل مع الأحداث الكونية السريعة وعالية الطاقة.

فضاء يتحول إلى مختبر ذكاء اصطناعي

وحققت الصين أحد أبرز إنجازاتها من خلال نشر نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي على قمرين مزودين بكواشف استقطاب للأشعة السينية. وقد تمكن هذا النموذج من تصنيف انفجارات أشعة غاما بدقة وصلت إلى 99 في المائة، وبسرعة تفوق بكثير إمكانات المعالجة الأرضية. ومن ثم، أسهم هذا التطور في خفض تكلفة نقل البيانات وتقليص وقت التحليل، مما يمهد لظهور جيل جديد من العلوم الفلكية “الفورية” التي تعتمد بشكل مباشر على قدرات الذكاء الاصطناعي داخل المدار.

شبكة فضائية متكاملة: خطوة نحو الإنترنت المداري الذكي

وتمكنت الصين من الربط بين ستة أقمار اصطناعية. وهي خطوة تأسيسية نحو إنشاء شبكة عمل فضائية تشبه الإنترنت ولكن في المدار. مع اكتمال المشروع المكون من أكثر من 1000 قمر، ستبلغ قدرة الكوكبة:100 كوينتليون عملية في الثانية (10⁹⁹ FLOPS تقريبا) وهو رقم يضع هذه البنية ضمن أقوى منظومات الحوسبة في العالم.

تغيير قواعد اللعبة: لماذا يهم هذا التطور؟

ويمثل هذا التطور بالفعل تغييرا حقيقيا في قواعد اللعبة. لأنه يقلل بشكل واضح الضغط المتزايد على مراكز البيانات الأرضية. فمعالجة جزء من البيانات مباشرة في الفضاء تخفف من حجم المعلومات التي تحتاج إلى النقل والمعالجة على الأرض. كما أن وجود نماذج ذكاء اصطناعي في المدار يتيح إصدار نتائج سريعة تكاد تكون فورية. الأمر الذي ينعكس مباشرة على مجالات عديدة مثل مراقبة الكوارث، وتتبع التحركات على سطح الأرض، والإنذار المبكر. وحتى التطبيقات العسكرية التي تعتمد على الزمن كعامل حاسم.

ويفتح هذا التقدم الباب أمام نشوء اقتصاد فضائي جديد بالكامل. حيث يبدأ الفضاء في لعب دور شبيه بمراكز البيانات الأرضية. لكن بنطاق أوسع، عبر تقديم خدمات حوسبة تباع مباشرة من المدار للمستخدمين والمؤسسات. وهكذا يتحول الفضاء إلى منصة اقتصادية وتقنية صاعدة. وليس مجرد بيئة للرصد أو الاتصالات التقليدية.

هل نحن أمام “ثورة سادسة” في الفضاء؟

وتجمع الصين بين الأقمار الاصطناعية، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية… لتخلق نموذجا استراتيجيا سيغير شكل المنافسة الدولية في الفضاء. الانتقال من “التصوير من الفضاء” إلى “التحليل في الفضاء” هو قفزة قد تعيد رسم خريطة صناعات بأكملها خلال العقد المقبل.

فضاء لم يعد مجرد فراغ

ويظهر إطلاق كوكبة بقدرات ذكاء اصطناعي مذهلة أن مستقبل الحوسبة قد ينتقل فعليًا إلى المدار، وليس مجرد حدث تقني عابر. ومع مضي الصين في مشروعها لنشر أكثر من ألف قمر داخل هذا النظام المتكامل، يتجه العالم نحو حقبة جديدة تتجاوز مفهوم الأقمار الاصطناعية التقليدية. لتفتح الطريق أمام “عقول” حوسبية تدور حول الأرض وتعيد تعريف كيفية التعامل مع البيانات والفضاء معا.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة