كلما تلبدت السماء بالغيوم، يتسلل القلق إلى قلوب آلاف الأسر المغربية. ليس خوفا من المطر في حد ذاته، فالمطر في الوعي الجماعي بركة وخير، بل خوفا مما يليه، مدن تغرق، وشوارع تتحول إلى أنهار، وأحياء تغرق في وحل كثيف، وسيارات تغمرها المياه، وحركة حياة تتوقف كأنها تحت حصار طبيعي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما نعيشه كوارث طبيعية فعلا؟ أم أننا أمام كوارث تدبيرية تعريها أولى القطرات؟
المطر ليس المشكلة… المشكلة في الأرض
لا أحد ينكر أن التغيرات المناخية جعلت التساقطات أكثر حدة وتقلبا، وأن العواصف صارت مفاجئة وعنيفة في أحيان كثيرة. لكن دولا عديدة تعرف تساقطات أشد وأعنف، ومع ذلك نادرا ما تتحول أمطارها إلى فوضى حضرية شاملة. الفرق لا يكمن في السماء، بل في الأرض، في شبكات تصريف المياه، وفي جودة البنية التحتية، وفي التخطيط العمراني، وفي صرامة المراقبة.
في المغرب، تكفي ساعات قليلة من الأمطار لتنكشف هشاشة طرق وصفت يوم تدشينها بـ”النموذجية”. تكفي زخة قوية لتظهر عيوب مشاريع رصدت لها ميزانيات ضخمة، واحتفي بها في تقارير رسمية مشرقة. هنا يبدأ الشك، هل المشكلة في الموارد؟ أم في كيفية صرفها؟ أم في غياب المحاسبة؟
مليارات على الورق… وحفر في الواقع
ترصد سنويا اعتمادات مالية هامة لصيانة الطرق، وتأهيل الأحياء، وإنجاز قنوات تصريف المياه، ضمن برامج تنموية متعددة المستويات، وطنية، وجهوية، ومحلية. الجماعات الترابية تعلن عن مخططات لإعادة تهيئة الأزقة، والوزارات المعنية تتحدث عن استراتيجيات لمواجهة الفيضانات، وشركات التنمية المحلية توقع صفقات بمبالغ بملايين الدراهم.
ومع ذلك، تتكرر المشاهد ذاتها كل عام. ما معنى أن نصرف الملايين على تزفيت طريق، ثم تتشقق بعد أشهر؟ وما تفسير أن قنوات الصرف تعجز عن استيعاب مياه موسمية معروفة سلفا؟ ولماذا تنجز مشاريع في مناطق منخفضة دون دراسات معمقة لمخاطر السيول؟
قد يكون من السهل إلقاء اللوم على “الاستثنائية” و”الظروف المناخية غير المتوقعة”، لكن حين يتكرر الاستثناء سنويا، يصبح قاعدة تستحق المساءلة.
التخطيط العمراني: توسع بلا رؤية
المشهد العمراني المغربي عرف خلال العقود الأخيرة توسعا سريعا، رافقه ضغط ديمغرافي كبير على المدن الكبرى والمتوسطة. أحياء جديدة نبتت في أطراف المدن، وتجزئات سكنية أقيمت فوق أراض كانت في السابق مجاري طبيعية للمياه، أو مناطق فلاحية تستوعب فيضانات موسمية.
هنا تكمن إحدى الإشكالات العميقة، البناء في مجالات حساسة دون معالجة حقيقية للمخاطر. حين يتم الترخيص لمشاريع سكنية في مناطق معرضة للسيول، يصبح الحديث عن “كارثة طبيعية” ضربا من تبسيط مخل. فالكارثة تبدأ لحظة اتخاذ القرار العمراني غير المدروس.
والتخطيط الحضري لا يقتصر على رسم شوارع وبنايات؛ بل يتطلب قراءة جيولوجية وهيدرولوجية دقيقة. ويحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، لا إلى منطق استعجالي يهدف إلى استيعاب الطلب العقاري بسرعة.
جودة الإنجاز: الحلقة الأضعف
وحتى حين تكون الدراسات موجودة، يظل التنفيذ الميداني نقطة ضعف واضحة. كم من مشروع أعيدت تهيئته مرات متتالية؟ وكم من شارع أعيد تزفيته كل عامين أو ثلاثة؟ وهذا التكرار لا يعكس دينامية إيجابية، بل يكشف خللا في الجودة.
في كثير من الحالات، يبدو أن هاجس تخفيض الكلفة يتغلب على هاجس الاستدامة. تنجز الأشغال بسرعة، وبجودة متوسطة أو ضعيفة، فتظهر العيوب سريعا. وحين تتشقق الطريق أو تنهار الأرصفة، يعاد فتح صفقة جديدة، وتبدأ الحلقة من جديد.
المشكل هنا لا يمس التقنية فقط، بل يرتبط بثقافة التدبير، هل الهدف هو إنجاز مشروع يدوم لعقود؟ أم مشروع “يعبر المرحلة” ويدرج في الحصيلة السنوية؟
الصمت الرسمي… والغضب الشعبي
حين تغرق الأحياء، يكون أول من يتحرك هم المواطنون بنشر الصور، ومقاطع الفيديو، ونداءات الاستغاثة. وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مرآة فورية تكشف الأعطاب. لكن في المقابل، غالبا ما يكون الخطاب الرسمي مقتضبا، تقنيا، وأحيانا مكررا.
البيانات تتحدث عن “تعبئة المصالح”، و”تدخل فرق الإنقاذ”، و”ظروف استثنائية”. نادرا ما نسمع اعترافا صريحا بوجود خلل بنيوي، أو إعلانا عن فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات فيما حدث.
هذا الصمت، أو الاكتفاء بخطاب عام، يفاقم شعور المواطن بألا أحد يحاسب. فلو كانت هناك مساءلة فعلية بعد كل حادثة كبيرة، لكانت الرسالة واضحة.. الخطأ له ثمن.
من المسؤول: تعدد المتدخلين أم تشتت المسؤولية؟
قطاع البنية التحتية في المغرب موزع بين عدة فاعلين، وزارات، وجماعات ترابية، وشركات تنمية، ومؤسسات عمومية، ومقاولات خاصة. هذا التعدد قد يكون إيجابيا من حيث الاختصاص، لكنه قد يتحول إلى تشتت في المسؤولية.
وحين تنهار طريق، يطرح السؤال، هل الخلل في الدراسة التي أنجزها مكتب معين؟ أم في الشركة التي نفذت الأشغال؟ أو في الجهة التي أشرفت وراقبت؟ أم في الجماعة التي سلمت الرخص؟
غياب وضوح في تحديد المسؤوليات يجعل المحاسبة أمرا معقدا. ومع التعقيد تضيع الجرأة على اتخاذ قرارات حاسمة.
الكلفة الحقيقية للفشل
الأضرار الناجمة عن هشاشة البنية التحتية لا تقاس فقط بالمياه المتجمعة في الشوارع. هناك كلفة اقتصادية مباشرة، تعطيل حركة المرور، وإغلاق محلات، وتلف سلع، وأضرار في السيارات والمنازل. وهناك كلفة اجتماعية ونفسية، إحساس بعدم الأمان، وفقدان الثقة في المؤسسات، وتراكم غضب صامت.
فحين يخرج طفل إلى المدرسة ويضطر لعبور برك آسنة، وحين تتعطل سيارة إسعاف بسبب طريق مغمورة، يتجاوز الأمر إطار الإزعاج إلى مستوى الخطر. هنا يتحول السؤال من “لماذا غرقت المدينة؟” إلى “من يتحمل مسؤولية تعريض الناس للخطر؟”.
هل الحل في المزيد من الميزانيات؟
من السهل المطالبة بزيادة الاعتمادات المالية، لكن التجربة أظهرت أن المال وحده لا يكفي. قد نضاعف الميزانيات، لكن من دون إصلاح عميق لمنظومة التخطيط والتنفيذ والمراقبة، سنكرر الأخطاء نفسها بكلفة أكبر.
الحل يبدأ بالشفافية ونشر تفاصيل الصفقات، وتكاليفها، وآجالها، وتقييم جودة إنجازها. يتطلب تقارير دورية حول وضعية شبكات الصرف في المدن، وخططا استباقية قبل موسم الأمطار، لا تحركات بعد وقوع الضرر.
كما يحتاج إلى تعزيز دور هيئات المراقبة، وإعطاء أهمية أكبر للجودة بدل الأرخص سعرا.
إعادة الاعتبار للوقاية
في إدارة المخاطر، الوقاية دائما أقل كلفة من التدخل بعد الكارثة. تنظيف مجاري المياه بانتظام، وصيانة القنوات، ومراقبة النقط السوداء، وإعداد خرائط دقيقة للمناطق الأكثر عرضة للفيضانات، كلها إجراءات قد تبدو روتينية، لكنها تصنع الفارق.
المدن الذكية ليست تلك التي تزين شوارعها بالأضواء فقط، بل التي تستبق المخاطر وتمنع تحولها إلى أزمات.
مدن تغرق والإعلام بين الإثارة والدور الرقابي
ويتحمل الإعلام من جهته، جزءا من المسؤولية. فدوره لا يقتصر على نقل صور الغرق، بل على تتبع ما بعدها، هل فتحت تحقيقات؟ وهل حددت المسؤوليات؟ وهل أدرجت مشاريع تصحيحية في الميزانيات اللاحقة؟
والمفترض أن دور الإعلام ليس دعوة للتشهير، بل لمساءلة عقلانية قائمة على المعطيات. والنقد البناء هو الذي يفتح النقاش، لا الذي يكتفي بالصراخ.
نحو عقد جديد بين المواطن والمؤسسات
الثقة بين المواطن والمؤسسات تبنى بالتراكم. فكل مشروع ينجز بإتقان يعززها، وكل إخفاق غير محاسب يضعفها. وحين يتعلق الأمر بالبنية التحتية، فإن الرهان أكبر، هو رهان جودة الحياة، وكرامة العيش في مدينة آمنة.
لا يمكن لبلد يطمح إلى جاذبية استثمارية وسياحية قوية أن يقبل بمشاهد تتكرر كل شتاء. الصورة التي تنقل اليوم عبر الهواتف تصل في ثوان إلى العالم. والمشهد الحضري جزء من سمعة الدول.
من السماء إلى الطاولة
المطر سيستمر في الهطول، وربما سيزداد حدة بفعل التحولات المناخية. لكن طريقة تعاملنا معه هي التي ستحدد إن كنا سنبقى في دائرة رد الفعل، أم ننتقل إلى مرحلة الفعل الاستباقي.
حين تغرق مدينة، لا ينبغي أن ينتهي النقاش بانحسار المياه. بل يجب أن يبدأ عندها بمراجعة دراسات، وتقييم صفقات، ومساءلة مسؤولين إن ثبت التقصير، وتصحيح المسار بشجاعة.
لأن السؤال في النهاية ليس، لماذا أمطرت السماء؟ بل، لماذا لم نكن مستعدين؟
وإذا كان المطر امتحانا سنويا، فإن النتيجة حتى الآن تقول إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لمنهجية العمل، لا إلى تبريرات موسمية. فالمواطن لا يطلب معجزات هندسية، بل طريقا لا ينهار، وحيا لا يغرق، ومدينة لا تخذله عند أول اختبار.
عندها فقط، يمكن أن يعود المطر إلى معناه الأول، رحمة… لا فضيحة موسمية متكررة.











