شرعت الحكومة المغربية في تنفيذ برنامج واسع للدعم والمواكبة، استجابة للتعليمات الملكية السامية. في خطوة تعكس حجم الاستنفار الذي أحدثته الفيضانات التي اجتاحت شمال وغرب البلاد خلال الشهرين الماضيين. فهذه المبادرة لا تعد مجرد خطة ظرفية لمعالجة آثار الأزمة، بل تمثل مقاربة شاملة تعيد رسم طريقة تدبير الدولة للكوارث الطبيعية، سواء على مستوى سرعة التدخل، أو حجم الموارد المرصودة، أو دقة استهداف الفئات المتضررة.
مساعدات مالية غير مسبوقة: من الاستعجال إلى إعادة البناء
ويتدرج البرنامج من مساعدة فورية تصل إلى 6.000 درهم لكل أسرة متضررة، إلى دعم أكبر مخصص لإعادة تأهيل المحلات والمساكن المتضررة بقيمة 15.000 درهم، وصولا إلى 140.000 درهم لإعادة بناء المنازل المنهارة كليا. هذا التدرج يعكس فهما عميقا لمراحل التعافي بعد الكوارث: بدءا من تلبية الحاجيات العاجلة، مرورا باسترجاع النشاط الاقتصادي الصغير، وانتهاء بالعودة إلى حياة طبيعية وآمنة.
وتعد عملية التسجيل عبر إرسال رسالة نصية قصيرة إلى الرقم 1212 خطوة مهمة في مسار رقمنة خدمات الإغاثة، بما يسمح بالتحقق السريع من المستفيدين وتقليص البيروقراطية التي غالبا ما تعرقل مثل هذه العمليات.
آليات رقابة ميدانية صارمة لضمان الإنصاف
ويولي البرنامج أهمية كبيرة للشفافية، إذ تم تكليف لجان محلية مختصة بحصر الأضرار ميدانيا داخل المناطق المصنفة منكوبة. هذه اللجان ستكون مسؤولة عن تقييم واضحة ودقيقة للمنازل والمحلات المتضررة، مع فتح الباب أمام المواطنين لتقديم شكايات أو ملتمسات إضافية في حال عدم إدراجهم ضمن القائمة الأولية. هذا الأسلوب يحد من احتمالات الاستفادة غير المستحقة. ويضمن وصول الدعم لمن هم في أمس الحاجة إليه.
القطاع الفلاحي في قلب التعافي: رؤية لموسم جديد
وامتدت التدابير إلى القطاع الفلاحي الذي تكبد خسائر كبيرة بفعل غمر مياه الفيضانات آلاف الهكتارات. وتتضمن الخطة الزراعية إطلاق برنامج مخصص للزراعات الربيعية المناسبة لطبيعة المناطق المتضررة. ودعم الفلاحين في الحصول على بذور وأسمدة جديدة لتسريع التعافي. والاستمرار في دعم الكسابة الذين تضررت قطعانهم أو أعلافهم. بهذه الإجراءات، وتسعى الحكومة إلى منع انهيار الموسم الفلاحي وإعادة تنشيط الدورة الإنتاجية بسرعة.
من إدارة الأزمة إلى إدارة المستقبل
ويتبين بأن البرنامج لا يقف عند حدود التعويض، بل يتجاوزها إلى التفكير في إعادة تنظيم طرق الإجلاء والتدخل خلال الكوارث. فالتوجيهات الملكية شددت على التدبير الأمثل لعمليات إجلاء السكان من المناطق الخطرة، وتعبئة الموارد اللوجستيكية لعملية نقل آمنة وفعالة، وضمان عودة المتضررين إلى منازلهم في أقرب الآجال. وهذا التحول من “رد الفعل” إلى “الاستباقية” ينسجم مع رؤية ملكية واضحة لجعل المغرب أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية. التي أصبحت واقعا لا يمكن تجاهله.
رسالة سياسية واجتماعية قوية
ويقدم هذا البرنامج دلالة سياسية عميقة فالدولة، بمؤسساتها، حاضرة بقوة في لحظات الشدة، وتعمل وفق منهجية تقوم على التضامن والفعالية، لا على تدبير ارتجالي للأزمات. كما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات. خصوصا أن آلاف الأسر فقدت مساكنها ومصادر رزقها خلال فترة حساسة من السنة.
ويؤشر هذا التحرك السريع والمنظم على مرحلة جديدة في تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب. تبنى على الدقة الميدانية، والشفافية، والدعم المباشر، ودمج القطاعات الاقتصادية في خطة التعافي. وبينما تبقى الفيضانات حدثا استثنائيا في حجمه. فإن طريقة تعامل الدولة معها قد تكون نقطة تحول تبنى على أساسها سياسات مستدامة لمواجهة تغير المناخ في السنوات المقبلة.














