سدود تحت الضغط: هل ينجح المغرب في موازنة معادلة الجفاف والفيضانات وسط تغير مناخي غير مسبوق؟

الحدث بريس20 فبراير 2026
سدود تحت الضغط: هل ينجح المغرب في موازنة معادلة الجفاف والفيضانات وسط تغير مناخي غير مسبوق؟

اعتمد المغرب سياسة واسعة لبناء السدود، على مدى عقود، باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق الأمن المائي ومواجهة تقلبات المناخ في بلد شبه جاف. وقد مكن هذا النهج البلاد من التحكم في مواردها، وتوفير مياه الري والشرب، والحد من الفيضانات. لكن موجة التساقطات الاستثنائية الأخيرة كشفت مفارقة قاسية: السدود التي كانت تمثل خط الدفاع الأول، قد تتحول—في ظل الظواهر المتطرفة—إلى مصدر تهديد إذا تجاوزت قدرتها الاستيعابية.

فيضانات القصر الكبير: حين يتحول السد من حماية إلى خطر

وشهد سد وادي المخازن، أحد أكبر سدود المغرب، مستويات ملء غير مسبوقة تجاوزت 160% من طاقته الاستيعابية، بعد أمطار بلغ معدلها هذا الشتاء 35% فوق المتوسط التاريخي. ومع تدفق أكثر من مليار متر مكعب من المياه، لجأت السلطات إلى التفريغ التلقائي، ما تسبب في ارتفاع منسوب نهر اللوكوس وغمر مدينة القصر الكبير ومناطق واسعة من سهل الغرب. وإخلاء أكثر من 154 ألف شخص واعتبار أربع مناطق منكوبة. مما كشف حجم المخاطر عندما يواجه سد كبير موجة مطرية خارجة عن النماذج التقليدية للتصميم.

سياسة السدود: نجاح تاريخي… ولكن بمقاربة غير محدثة

ويتصدر المغرب إفريقيا في عدد السدود: 154 سدا كبيرا بطاقة تفوق 20 مليار م³، و148 سدا صغيرا ومتوسطا، وخطط لبناء 92 سدا جديدا بين 2025 و2027. لكن السؤال المحوري: هل تكفي السدود وحدها لمواجهة مناخ يتغير بسرعة؟ هذا ما يجيب الخبراء بأن ما كان فعالا في القرن الماضي لم يعد كافيا في ظل موجات مطرية “فائقة” وجفاف طويل الأمد.

غليان مناخي: أرقام قياسية غير مسبوقة

وتشير البيانات إلى صدمات متلاحقة: ارتفاع ملء السدود من 27% العام الماضي إلى 70% حاليا، وأمطار ثلاثة أضعاف تلك المسجلة في الشتاء السابق، وظواهر قصوى تضرب شمال وغرب البلاد بسرعة تفوق قدرة البنية المائية على الاستجابة. هذه الأرقام تؤكد أن المغرب يواجه تحولا مناخيا بنيويا وليس مجرد ظرفية استثنائية.

الأمن المائي لم يعد وحده كافيا

ويقول محمد أمين سامي، خبير التخطيط الاستراتيجي، أن السدود صممت أساسا لضمان المياه، وليس لمواجهة فيضانات متطرفة. ويضيف أن غياب: حماية مجاري الأودية، وبنية قوية لتصريف المياه، قواعد تشغيل ديناميكية مرتبطة بالتنبؤات. مما يجعل السدود عاجزة عن التعامل مع موجات فيضانية ضخمة.

عصر تنويع الموارد

ويؤكد خبير المياه أحمد بخري فيؤكد أن بناء السدود وحده لم يعد حلا، وأن المغرب بدأ يتحول نحو: تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، والربط بين الأحواض، وإنشاءها متوسطة وصغرى ذات فعالية أعلى. وهي مقاربة جديدة توازن بين تدبير الندرة وتدبير الفائض.

تحلية المياه والربط المائي: رهانات المستقبل

وأنهت الأمطار القياسية جفافا دام سبع سنوات، دفع المغرب لاستثمارات ضخمة في تحلية مياه البحر، مع هدف بلوغ 60% من مياه الشرب من مياه محلاة بحلول 2030. كما أطلق مشروع “الطريق السيار للماء” لربط حوضي سبو وأبي رقراق. وذلك للتخفيف من حدة الندرة في المناطق المتضررة.

السلطات ترد: منظومة تقنية قائمة على المرونة والتوقع

ويؤكد مسؤولو وزارة التجهيز والماء أن المغرب يعتمد على منظومة رصد وإنذار مبكر، وصيانة شبكات تصريف المياه. وتعزيز القنوات والحواجز الوقائية، ومنحنيات ملء مرنة حسب الفصول، وتفريغ وقائي وفق التوقعات الجوية. لكن أحداث القصر الكبير أظهرت أن المنظومة تحتاج إلى تحديثات إضافية لتساير واقعا مناخيا سريع التقلب.

التحدي الأكبر: حضرنة الفيضانات وتصلب التربة

ويبرز الخبراء مشكلتين أساسيتين: توسع عمراني على ضفاف الأودية، وتراجع امتصاص التربة بسبب سنوات الجفاف. ما يجعل أي موجة مطرية قوية تتحول سريعًا إلى فيضان كبير. بغض النظر عن قدرة السدود.

مستقبل سدود المغرب: بين التحديث والتكامل

وتظهر المعطيات أن المغرب لا يواجه مشكلة سدود، بل مشكلة نموذج تدبير يحتاج تحديثا ليواكب عصر التغيرات المناخية. فالسدود تبقى ضرورية، لكنها يجب أن تدمج ضمن منظومة أوسع تشمل: إدارة فيضانية ذكية، وتنبؤات دقيقة، وبنية تصريف حديثة، وحماية ضفاف الأودية، وتنويع مصادر المياه. المعادلة اليوم ليست “سدود أو لا سدود”، بل:
كيف نجعل السدود جزءا من منظومة مرنة. وقادرة على مواجهة الجفاف… وحماية الأرواح من الفيضانات؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة