ليست كل الرسائل الدبلوماسية سواء، ولا كل المخاطبات بين البلاطات الملكية مجرد تبادل عبارات بروتوكولية. فبعض الوثائق تتحول، بعد قرون، إلى مفاتيح لقراءة مرحلة بأكملها. ومن هذا القبيل تندرج الرسالة التي بعثتها إمبراطورة روسيا كاثرين الثانية إلى السلطان العلوي محمد بن عبد الله بتاريخ 21 يونيو 1783. والتي تكشف، عند تحليل خطابها وسياقها، حجم المكانة الدبلوماسية التي كان يحتلها المغرب في زمن الصراعات الإمبراطورية الكبرى.
فالرسالة، في ظاهرها، تمثل طلب تقارب وتنظيم علاقات بحرية وتجارية، غير أن جوهرها يتجاوز ذلك بكثير، إذ إنها اعتراف صريح بمغرب قوي، ممتد النفوذ، حاضر في الحسابات الجيوسياسية لقوى كبرى كانت ترسم خرائط العالم آنذاك. ويكفي أن نستحضر توصيف القيصرة للسلطان بعبارات مثل: “ملك المغرب العظيم وشمال إفريقيا ونهر السنغال وبلاد السودان”، حتى ندرك أن الأمر يتجاوز المجاملة إلى إقرار بامتداد سياسي واقتصادي وروحي.
السياق الدولي: قرن التنافس البحري وإعادة توزيع النفوذ
ولفهم حمولة الرسالة، لا بد من العودة إلى سياق القرن الثامن عشر، حيث كان العالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة. وكانت الإمبراطوريات الأوروبية تتوسع في البحار، فيما اكتسبت طرق التجارة الأطلسية أهمية حاسمة. وتحولت المحيطات إلى مسارح تنافس استراتيجي.
وكانت روسيا في عهد كاثرين الثانية تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة أوروبية كبرى، غير أنها كانت تصطدم بعوائق جغرافية واضحة تمثلت في محدودية المنافذ البحرية الدافئة وهيمنة قوى بحرية تقليدية على التجارة الدولية. ومن هنا برزت الحاجة الروسية إلى شركاء خارج الدائرة الأوروبية الضيقة، شركاء يوفرون منفذا وتوازنا وأفقا تجاريا أوسع.
وكان المغرب، في المقابل، قد دخل بدوره مرحلة إعادة تموضع استراتيجي في عهد السلطان محمد بن عبد الله، إذ لم يعد ينظر إلى ذاته كقوة برية مغاربية فقط، بل كقوة بحرية أطلسية وإفريقية قادرة على ضبط الملاحة والتجارة ونسج العلاقات الدولية من موقع السيادة.
محمد بن عبد الله: بناء قوة عبر الانفتاح المدروس
تميز عهد السلطان محمد بن عبد الله (1757–1790) بإعادة تعريف مفهوم القوة المغربية. حيث لم تعتمد السلطة فقط على الامتداد الترابي أو النفوذ التقليدي، بل انخرطت في مشروع تحديث نسبي يقوم على تأسيس ميناء الصويرة كنافذة أطلسية استراتيجية. وتنظيم التجارة البحرية وفق قواعد مضبوطة، وتنويع الشركاء الدوليين بدل الارتهان لمحور واحد. وضبط العلاقة مع القوى الأوروبية عبر معاهدات مدروسة.
وبهذا المعنى لم يكن الانفتاح الذي انتهجه السلطان انكشافا بل خيارا استراتيجيا محسوبا. فالسماح للسفن الأجنبية بدخول الموانئ المغربية لم يكن حقا مكتسبا، وإنما امتيازا مشروطا يمنح وفق توازن المصالح ويسحب إذا اختلت شروط الاحترام.
وتكشف رسالة كاثرين الثانية أن روسيا أدركت هذه الحقيقة، إذ لم تخاطب المغرب بلغة تفوق إمبراطوري، وإنما بلغة تقارب يحفظ التوازن، وهو ما يعكس احتراما لموقع الدولة العلوية.
لغة الرسالة: الاعتراف قبل التحالف
وعند تحليل النص بدقة، تتكشف أبعاد سياسية عميقة. إذ يتضح أولا أن الإشارة إلى “نهر السنغال وبلاد السودان” لا يمكن اعتبارها مجرد تفصيل لغوي. بل هي إقرار بأن المغرب كان يملك حضورا فعليا في المجال الصحراوي والإفريقي، ويتحكم في طرق القوافل ويؤثر في شبكة التجارة الممتدة جنوبا.
وهو ما يعني أن روسيا كانت تنظر إلى المغرب بوصفه وسيطا إقليميا قادرا على فتح منافذ نحو إفريقيا الغربية. ومن جهة ثانية، فإن قبول السفن الروسية في الموانئ المغربية كان رهين قرار سيادي.
وتكشف الرسالة أن موسكو كانت تسعى إلى هذا الامتياز لا أن تفرضه، وهو ما يعكس ميزان قوة متوازنا. كما أن الخطاب الروسي بدا متزنا في زمن بدأت فيه بعض القوى الأوروبية تميل إلى فرض الإملاءات. وهو ما يدل على قدرة السلطان على فرض احترام متبادل في صياغة العلاقات.
وفوق ذلك، فإن إدراك روسيا للموقع الأطلسي للمغرب يؤكد أنها لم تكن تنظر إليه كدولة متوسطية فحسب، بل كقوة تمتلك واجهة بحرية استراتيجية تمثل فرصة في الحسابات الجيوسياسية الكبرى.
فتح الموانئ: بعد اقتصادي يتجاوز التبادل التجاري
ولم يكن السماح للسفن الروسية بالتردد على الموانئ المغربية قرارا اقتصاديا صرفا، بل كان يحمل أبعادا استراتيجية واسعة. إذ إن المبادلات المحتملة كانت تشمل مجالات المعادن والجلود، والسكر والحبوب والأسلحة. غير أن الأهم من طبيعة السلع هو مبدأ تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على محور أوروبي محدد، بما يعزز مكانة المغرب كمحطة بحرية دولية تفرض شروطها.
وكانت روسيا، في المقابل، تستفيد من منفذ أكثر أمانا وأقل خضوعا للمنافسة المباشرة من القوى البحرية التقليدية، وهكذا التقت المصلحتان في نقطة توازن دقيقة تعكس وعيا سياسيا لدى الطرفين.

المغرب في غرب إفريقيا: نفوذ يتجاوز الجغرافيا
والحديث عن “بلاد السودان” لا ينبغي أن يفهم في نطاقه الجغرافي فحسب، بل في سياقه الحضاري والاقتصادي. إذ إن المغرب كان يرتبط بالمجال الإفريقي الغربي عبر شبكة علاقات روحية وتجارية وثقافية ممتدة. وكان هذا النفوذ قائما على روابط دينية ومسارات قوافل، لا على منطق السيطرة الاستعمارية. وهو ما منحه حضورا مؤثرا في عمق القارة.
وأتاح هذا الامتداد للمغرب قدرة تفاوضية إضافية، إذ لم يكن مجرد حارس مضيق أو ميناء، بل حلقة وصل بين المتوسط والأطلسي وعمق إفريقيا، وهو ما يفسر إدراج هذا البعد في خطاب الإمبراطورة الروسية.
الرسالة كتفنيد لسرديات التهميش
وتكشف الوثيقة، عند قراءتها في إطارها التاريخي، صورة مغايرة لبعض السرديات التي اختزلت المغرب في موقع هامشي داخل التوازنات الدولية. إذ يظهر بوضوح أنه كان دولة تحافظ على استقلال قرارها. وتمتلك قوة بحرية وتنظيمية معتبرة، وتؤدي دورا إقليميا في غرب إفريقيا.
كما أنه كان شريكا مرغوبا من قوى كبرى، لا مجرد ساحة تنافس بينها. وبذلك تقدم الرسالة دليلا ملموسا على أن الدولة المغربية في القرن الثامن عشر بلغت مرحلة من النضج السياسي. مكنتها من إدارة علاقاتها الدولية بثقة ووعي استراتيجي.
البعد الاستراتيجي للعلاقات المغربية–الروسية
وقراءة الرسالة في بعدها الثنائي تؤكد أن العلاقات المغربية–الروسية لم تكن وليدة التحولات المعاصرة فقط. بل إن جذورها تمتد إلى قرون سابقة قامت على البحث عن التوازن في نظام دولي متغير, وتنويع الشركاء لتفادي الهيمنة الأحادية، ومراعاة المصالح المتبادلة بعيدا عن منطق الإملاء.
وتظهر الوثيقة أن هذه المبادئ كانت حاضرة في القرارات السيادية للسلطان محمد بن عبد الله, الذي تعامل مع القوى الكبرى ببراغماتية واعية، دون التفريط في الثوابت.
قراءة في مفهوم السيادة آنذاك
وتعكس الرسالة مفهوما متقدما للسيادة في الممارسة المغربية خلال القرن الثامن عشر. إذ إن تنظيم الملاحة ومنح الامتيازات البحرية وتحديد شروط دخول السفن الأجنبية، كلها مظاهر لدولة تمارس سلطتها بوعي استراتيجي.
فلا هي منغلقة تعزل نفسها عن التحولات الدولية، ولا هي منفتحة بلا ضوابط تجعلها عرضة للاختراق. بل كان الانفتاح أداة لتقوية الموقع الدولي، لا بابا للتبعية، وهذه المعادلة هي التي جعلت القوى الكبرى تخاطب المغرب باحترام.
بين الماضي والحاضر: دلالات معاصرة
واستحضار هذه الرسالة اليوم لا يعني اجترار أمجاد تاريخية بقدر ما يعني إعادة قراءة موقع المغرب في امتداداته الأطلسية والإفريقية. إذ إن المملكة المعاصرة ما تزال تتحرك ضمن دوائر جيوسياسية مشابهة من حيث تعزيز الانفتاح الأطلسي. وتوسيع الحضور الإفريقي، وتنويع الشراكات الدولية. واعتماد توازن دقيق في العلاقات الكبرى.
ومن ثم فإن الدرس التاريخي الذي تقدمه المرحلة يتمثل في أن الشراكات تبنى من موقع قوة وثقة. وأن الانفتاح المدروس يظل رافعة لتعزيز المكانة الدولية.
وثيقة تضع المغرب في قلب المعادلة
وتكشف رسالة كاثرين الثانية قبل كل شيء عن مملكة واثقة بذاتها، فرضت حضورها في غرب البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. ومدت نفوذها إلى عمق إفريقيا، وأدارت علاقاتها الدولية بمنطق سيادي متزن.
فهي بذلك وثيقة لا تعيد فقط رسم صورة القرن الثامن عشر. بل تذكر بأن المغرب لم يكن هامشا في معادلات القوى الكبرى. بل طرفا مؤثرا فيها، يختار شركاءه وينظم موانئه ويفرض قواعد التعامل ويستقطب القوى الباحثة عن منافذ وتوازنات.
وهكذا، فإن الرسالة القيصرية ليست مجرد نص مؤرشف، بل شهادة تاريخية على مرحلة كان فيها المغرب فاعلا في تشكيل محيطه ومشاركا في صياغة التوازنات الدولية. وهو ما يمنح قراءتها اليوم بعدا تحليليا يتجاوز الماضي ليصل إلى فهم أعمق لجذور الدور الاستراتيجي الذي ظل جزءا من هوية الدولة المغربية عبر القرون.














