حين قالها الحسن الثاني بلا تردد: قصة اليوم الذي كفر فيه المغرب الخميني

الحدث بريس2 مارس 2026
الملك الحسن الثاني بلا تردد.. الخميني كافر بفتوى من العلماء

لم يكن ذلك خطابا عاديا. ولم يكن مجرد رد سياسي على دولة بعيدة في المشرق. كان لحظة مواجهة مباشرة بين رؤيتين للإسلام، بين شرعيتين، بين مفهومين للحكم، وبين منطقين في إدارة الدين والدولة. في تلك المرحلة المشحونة من مطلع الثمانينيات، خرج الملك الحسن الثاني ليضع حدا لأي لبس: الصراع لم يعد دبلوماسيا فحسب، بل أصبح عقديا. والنتيجة كانت إعلانا صادما في نبرته ومضمونه، استند فيه إلى فتوى علماء مغاربة، ليصل الخطاب إلى حد تكفير الخميني.

اليوم، وبعد مرور عقود، لا تزال تلك اللحظة مثار جدل واستعادة، لأنها لم تكن فقط محطة في العلاقات المغربية الإيرانية. بل كانت حدثا مفصليا في تاريخ تدبير المغرب لحرب الشرعيات الدينية في زمن الثورات.

المشهد الأول: ثورة تهز الشرق… وقلق يتصاعد في الرباط

عندما سقط الشاه في 1979 وارتفع صوت الخميني من طهران معلنا قيام الجمهورية الإسلامية. لم يكن العالم العربي يتابع الحدث باعتباره تغييرا داخليا فحسب. كانت الثورة الإيرانية تعلن نفسها مشروعا عابرا للحدود. “تصدير الثورة” لم يكن مجرد شعار إعلامي، بل سياسة معلنة.

في الرباط، لم يقرأ ذلك التطور ببراءة. المغرب ملكية دستورية ذات شرعية دينية متجذرة في التاريخ. حيث يجمع العاهل بين السلطة السياسية وصفة أمير المؤمنين. أي خطاب ديني ثوري يقوم على إسقاط الأنظمة “غير الإسلامية”، أو يطعن ضمنا في شرعية الملوك، كان ينظر إليه كرسالة غير مباشرة.

لم تكن المسألة مذهبية فقط، رغم البعد السني–الشيعي الواضح. كانت في العمق قضية سيادة. من يملك حق تأويل الإسلام سياسيا؟ ومن يملك الشرعية الدينية لقيادة الأمة؟

من الخلاف إلى القطيعة: حين دخلت الصحراء على الخط

التوتر لم يقتصر على مستوى التصريحات. حين اعترفت إيران في بداية الثمانينيات بـ“الجمهورية الوهمية”، اعتبرت الرباط ذلك تجاوزا خطيرا. الصحراء بالنسبة للمغرب ليست ملفا دبلوماسيا عاديا، بل قضية وجود.

هنا، لم يعد الخلاف نظريا. أصبح الصدام مباشرا. ومن الطبيعي، في منطق الدول، أن يتصلب الخطاب عندما تمس الوحدة الترابية. لكن الذي جعل هذه اللحظة مختلفة هو أن الرد لم يكن سياسيا فقط، بل ارتدى عباءة الفقه.

لحظة الحسم: اجتماع العلماء وفتوى التكفير

الروايات المتداولة في المغرب، والتي أعادت أكثر من مرة سرد تلك المرحلة، تؤكد أن الملك الحسن الثاني استدعى علماء مغاربة لبحث موقف الخميني وأطروحاته. خصوصا فيما يتعلق بنظرية “ولاية الفقيه” وما رافقها من مواقف سياسية تجاه المغرب.

ووفق هذه الروايات، صدرت فتوى باعتبار الخميني خارجا عن منهج أهل السنة. وهو ما استند عليه الملك الراحل في خطاب رسمي أعلن فيه موقفا غير مسبوق في حدته.

العبارة التي بقيت في الذاكرة كانت من النوع الذي لا يقال في لحظات عابرة. نسب إليه قوله، في صيغة تداولتها الصحافة لاحقا: “صاحبنا.. الخميني الذي كفرناه بفتوى من العلماء..”. جملة تختصر كل شيء. لم تكن مجرد اختلاف في الاجتهاد، بل نزعا صريحا للشرعية الدينية.

وبغض النظر عن الصيغة الحرفية الدقيقة التي قيلت بها العبارة داخل الخطاب المتلفز. فإن المعنى كان واضحا: المغرب، بمرجعيته المالكية الأشعرية، يرفض أن يدرج مشروع الخميني ضمن الإسلام الذي يعترف به ويؤطره.

لماذا اختار الحسن الثاني هذا المستوى من التصعيد؟

السؤال المحوري الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا ذهب الخطاب إلى هذا الحد؟

الجواب يتوزع على ثلاثة مستويات:

أولا: حماية الشرعية الدينية للمؤسسة الملكية.

الحسن الثاني لم يكن يتحدث كرئيس دولة عادية. كان يتحدث بصفته أميرا للمؤمنين. في المغرب، الدين ليس شأنا خاصا، بل جزء من بنية الدولة. وأي محاولة لاختراق هذا المجال كانت ستقرأ كتهديد مباشر.

ثانيا: تحصين الداخل.

الثورة الإيرانية ألهمت حركات إسلامية في أكثر من بلد. والمغرب بدوره كان يعيش توترا سياسيا واجتماعيا في تلك المرحلة. وإرسال رسالة واضحة إلى الداخل بأن المشروع الإيراني مرفوض عقديا كان وسيلة لسد الطريق أمام أي قابلية للتأثر.

ثالثا: التموضع الإقليمي.

العالم العربي آنذاك كان منقسما بين معسكرات. الحرب العراقية الإيرانية كانت في أوجها. وفي هذا السياق، كان الموقف المغربي أيضا إعلان انحياز استراتيجي ضمن توازنات أوسع.

تكفير أم بيان سياسي بلغة فقهية؟

من الناحية الفقهية، التكفير مسألة دقيقة جدا في التراث الإسلامي، وتاريخيا كان العلماء يحذرون من إطلاقه إلا بضوابط صارمة. لذلك يرى بعض الباحثين أن ما حدث يمكن فهمه أيضا كخطاب سياسي بلغة دينية قوية، لا كدرس فقهي أكاديمي.

لكن في السياسة، اللغة ليست محايدة. اختيار كلمة أو عبارة قريبة من التكفير في خطاب رسمي متلفز يكفي ليحدث أثرا يتجاوز حدود المناظرة النظرية. الرسالة وصلت واضحة: المغرب يقطع دينيا قبل أن يقطع دبلوماسيا.

أثر الخطاب في الداخل المغربي

الحدث لم يكن صدى إعلاميا عابرا. ففي الداخل، عززت الدولة بعدها سيطرة أكبر على الحقل الديني. وتم التأكيد مجددا على الثوابت: المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين.

والفكرة التي ترسخت كانت أن المغرب ليس أرضا مفتوحة للتجارب المذهبية أو المشاريع الثورية الدينية القادمة من الخارج. هذا الموقف سيبقى ثابتا حتى بعد رحيل الحسن الثاني، وإن بأشكال أكثر هدوءا.

ذاكرة مثقلة بالرمزية

واليوم، عندما يعاد تداول فيديو الخطاب على منصات التواصل، لا يستعاد فقط موقف تاريخي. بل تستعاد مرحلة كاملة من الصراعات الإقليمية. البعض يراه دليل حزم وقوة في الدفاع عن الشرعية الوطنية. وآخرون يرونه لحظة انخراط في الاستقطاب المذهبي الذي كان يمكن تجنبه.

لكن المؤكد أن تلك اللحظة كشفت كيف يمكن للدولة أن تستخدم أقصى أدوات الرمزية الدينية دفاعا عن سيادتها.

بين الأمس واليوم: هل كان ذلك ممكنا الآن؟

ولو افترضنا جدلا أن زعيم دولة اليوم أطلق خطابا من هذا النوع، كيف سيكون الصدى؟ العالم تغير. اللغة السياسية أصبحت أكثر براغماتية. العلاقات الدولية أكثر تعقيدا. لكن في الثمانينيات، كانت المنطقة تغلي، وكان الخطاب الحاد جزءا من مشهد عالمي مشحون بالحرب الباردة وصعود الإسلام السياسي.

الحدث يجب أن يقرأ في سياقه الزمني، لا بمعايير اللحظة الراهنة فقط.

حين تحولت السياسة إلى عقيدة

قصة تكفير الخميني في عهد الحسن الثاني ليست مجرد فصل في كتاب العلاقات المغربية الإيرانية. إنها قصة عن حدود الشرعية. عن كيف يمكن للدولة أن تتعامل مع تهديد خارجي بلغة الداخل الديني. عن لحظة قال فيها الملك كلمته بوضوح لا لبس فيه.

قد يختلف الناس في تقييم تلك الخطوة. لكن أحدا لا يستطيع إنكار أنها كانت إعلانا صارخا بأن المغرب، في زمن العواصف، اختار أن يرسم خطه الأحمر بمداد العقيدة قبل الحبر الدبلوماسي.

وفي زمن تتداخل فيه السياسة بالدين مرة أخرى في أكثر من بقعة من العالم، تبقى تلك اللحظة التاريخية مثالا على أن الصراعات الكبرى لا تخاض بالسلاح فقط، بل بالكلمات… خصوصا حين تكون الكلمات من وزن “تكفير”.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة