اجتاح مقطع فيديو منصات التواصل الاجتماعي في المغرب وخارجه، في الأيام الأخيرة، مرفقا بتعليقات تدعي أنه يوثق احتجاجات جديدة شهدتها الرباط في فبراير 2026. غير أن التحقق من المحتوى يكشف أن الأمر يتعلق بمسيرة قديمة تعود إلى أكتوبر 2023. أعيد تداولها بشكل مضلل لإيهام الرأي العام بوجود تحركات ميدانية حديثة.
ورافق المقطع تعليق يقول: “عاجل… مظاهرات في المغرب، الشعب المغربي يريد عمي تبون”. حيث أن المنشور انتشر كالنار في الهشيم على صفحة الفيسبوك. ورغم أن الصياغة صادمة وجاذبة، فإنها خالية من أي سند واقعي أو زمني.
التتبع الرقمي يكشف الحقيقة: المقطع من 2023 وليس من 2026
ويقود تحليل الفيديو ومقارنته بمصادره الأصلية إلى نتيجة حاسمة: فالمقطع نشر لأول مرة على حساب إنستغرام للمصور مصعب الشامي بتاريخ 15 أكتوبر 2023، والشامي أكد لوكالة رويترز أنه هو من صور الفيديو خلال مسيرة حاشدة دعما لغزة بالرباط، كما أوضح أن مقطعه يستخدم باستمرار في سياقات مختلفة لترويج أخبار غير دقيقة. والتحقق البصري، وأظهر أيضا أن الشارع الظاهر في المقطع هو شارع محمد الخامس وسط الرباط. وهو ما تؤكده صور الأقمار الصناعية على Google Earth.

الواقع الميداني: لا احتجاجات في المغرب خلال فبراير 2026
ولم تعلن السلطات عن أي تحركات احتجاجية في هذه الفترة. على عكس ما حاولت بعض المنشورات الترويج له، حيث لم تسجل أي مظاهرات في المغرب خلال فبراير 2026، سواء في ما يتعلق بغزة أو بأي موضوع سياسي آخر. وهذا التضارب الواضح بين الواقع والمحتوى المنتشر يعزز فرضية التلاعب بالمقاطع القديمة لاستهداف الرأي العام أو خلق انطباع بوجود وضع اجتماعي متوتر.
لماذا يتكرر توظيف المقاطع القديمة؟ تحليل سياقي
ويؤكد مختصون في الإعلام الرقمي أن استخدام مقاطع قديمة في سياقات جديدة أصبح وسيلة سهلة لـ: صناعة أحداث افتراضية تبدو حقيقية؛ وتوجيه الخطاب العام نحو قضايا معينة؛ واستغلال الحساسية المجتمعية تجاه قضايا سياسية أو إقليمية؛ وتعبئة المتابعين عبر الإثارة البصرية دون حاجة لخبر صحفي مدعم.
ويرى خبراء في تحليل الشائعات أن المنصات الاجتماعية تشكل بيئة خصبة لانتشار هذا النوع من التضليل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمقاطع لمسيرات أو احتجاجات، حيث يسهل نسبها إلى أحداث معاصرة دون تمحيص.
المصور يوضح: “يستخدمون مقاطعي لأي شيء”
وفي تصريح لوكالة “رويترز”، عبر مصعب الشامي عن استغرابه من كثرة إعادة تدوير الفيديو الذي صوره قبل أكثر من عامين، قائلا إنه أصبح يستخدم في: احتجاجات لا علاقة لها بغزة؛ وأحداث سياسية في دول مختلفة؛ ومنشورات تسعى لاستفزاز مشاعر المتابعين أو خلق صراع افتراضي. وهذا الاعتراف يسلط الضوء على مشكلة أعمق: انفلات رقابة المعلومة البصرية، التي أصبحت إحدى أقوى أدوات التضليل الرقمي.
تفاصيل صغيرة… ودلالات كبيرة
وتكشف هذه الواقعة مرة أخرى أن التدقيق في المصدر والتحقق من تاريخ النشر أصبحا من الاشياء الضرورية قبل مشاركة أي محتوى. ففيديو قديم لمسيرة تضامنية حقيقية قد يتحول، ببعض العناوين المضللة، إلى احتجاجات سياسية مزعومة. والسؤال الذي يبقى مطروحا: من يستفيد من صناعة هذا النوع من “الاحتجاجات الوهمية”؟ وهل نحن أمام مجرد تضليل عشوائي. أم محاولة منظمة للتلاعب بالوعي العام؟














