أعلنت الجزائر رسميا انطلاق أول عملية تطهير جزئي لأحد أخطر مواقع التفجيرات النووية التي نفذتها فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، في خطوة وصفت بالتحول الاستراتيجي في ملف الذاكرة النووية، في حدث يحمل رسائل سياسية وتاريخية وأمنية عميقة. وبحسب ما أكدته وكالة الأنباء الجزائرية. فقد باشرت وزارة الدفاع عملية ميدانية في موقع “بيريل” بمنطقة تاوريرت تان أفلا – إن إكر بولاية تمنراست. جنوب البلاد، بعد عقود من التأجيل والدراسات التقنية. مستندة هذه المرة إلى خبرات وإمكانات وطنية بالكامل.
تفجيرات نووية تلاحق الذاكرة الجماعية
وتعد منطقة “إن إكر” أحد أبرز شواهد التجارب النووية الفرنسية التي نفذت ما بين 1960 و1966، حيث قامت باريس بما يزيد عن 17 تجربة، بعضها كان تحت الأرض وبعضها الآخر في الهواء الطلق. ولا تزال آثار هذه التفجيرات ماثلة في التربة والهواء والإنسان، إذ سُجلت على مدى عقود حالات إصابة بالسرطان وتشوهات خلقية وتدهور بيئي يطال الحياة الحيوانية والنباتية. وتشير تقارير دولية إلى أن موقع “بيريل” تحديدا شهد حادثة تسرب نووي عام 1962، بعد فشل احتواء الانفجار تحت الأرض. وهو ما جعل المنطقة من أكثر البؤر حساسية وخطورة.
قرار متأخر لكنه يحمل دلالات سياسية قوية
ويمثل بدء عملية التطهير لأول مرة بجهود وطنية نقلة نوعية في تعاطي الدولة الجزائرية مع ملف نووي ظل معلقا لعقود. فالتحرك، وفق محللين، يتضمن رسائل واضحة: تأكيد الجزائر سيادتها على أراضيها ورفضها استمرار آثار الاستعمار، وإعادة فتح ملف التعويضات الفرنسية بشكل غير مباشر، وتحسين الوضع البيئي والصحي لسكان الجنوب. وإبراز القدرات العلمية والهندسية الجزائرية في مجال معالجة التلوث النووي.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك جاء نتيجة ضغط شعبي وسياسي متزايد. في ظل مطالب متكررة بالكشف الكامل عن الأرشيف النووي الفرنسي وتعويض الضحايا.
تطهير جزئي.. خطوة أولى في طريق طويل
وتشير المعطيات إلى أن العملية الحالية لا تمثل سوى بداية، رغم أهمية القرار، إذ إن التطهير الكامل يحتاج إلى: بيانات دقيقة عن حجم التلوث ونوعيته، وتقنيات متقدمة لعزل المواد المشعة، وتعاون دولي متخصص في معالجة التربة النووية، كما أن المنطقة تقع في تضاريس جبلية صعبة. ما يعقد عمليات الحفر والكشف والاستصلاح، ويجعل المسار التقني طويلا ومتدرجا.
مطالب تاريخية: الاعتراف، التعويض، والشفافية
ويتجدد مع هذا التطور النقاش داخل الجزائر حول ضرورة أن تتحمل فرنسا مسؤولياتها التاريخية، إذ يطالب حقوقيون جزائريون بـ: اعتراف رسمي بجرائم التفجيرات النووية، وتقديم تعويضات مادية وصحية للضحايا. وتمكين الجزائر من كامل الأرشيف العسكري المتعلق بالتجارب. والمساهمة في عمليات التطهير وإعادة التأهيل.
وتشير منظمات حقوقية إلى أن التكلفة البيئية والصحية الممتدة على مدى أجيال تستوجب تعاونا فرنسيا مباشرا بدل الاكتفاء بالوعود السياسية.
تطهير “بيريل”.. بداية تصفية إرث نووي ثقيل
ويعتبر إطلاق عملية التطهير خطوة مفصلية قد تعيد رسم علاقة الجزائر بملف الذاكرة الاستعمارية، كما تعكس إرادة سياسية لمعالجة واحدة من أخطر التبعات النووية التي تعرضت لها منطقة في إفريقيا.
ورغم أن الطريق طويل ومعقد. فإن انطلاق أول خطوة فعلية بعد ستة عقود يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة البيئية والصحية ومعالجة إرث استعماري ما زال يترك أثره في الإنسان والأرض.














