حقق المغرب طفرة لافتة في تعميم التعليم الأولي خلال السنوات الأخيرة، حسب ما أكدته معطيات جديدة صادرة عن الهيئة الوطنية للتقييم، حيث ارتفعت نسبة التعميم إلى 70.4 في المائة مقابل 50 في المائة فقط موسم 2014-2015. وهذا التقدم، رغم أهميته، يكشف أيضا عن تحديات بنيوية تتعلق بالفوارق المجالية والاجتماعية التي لا تزال تؤثر على فرص الأطفال في الولوج إلى تعليم مبكر ذي جودة.
التعليم الأولي: قفزة كمية في التعميم… والوسط القروي يخلق المفاجأة
وأشار هشام آيت منصور، مدير الهيئة الوطنية للتقييم، أن سياسة تعميم التعليم الأولي عرفت تحسنا كبيرا، خصوصا بالوسط القروي الذي سجل ارتفاعا بـ39 في المائة، متجاوزا لأول مرة الوسط الحضري. وهذه المعطيات تؤشر على نجاح برامج الدولة في استهداف المناطق الأكثر هشاشة، وتعكس تطور الوعي الأسري بأهمية التعليم المبكر. ومع ذلك، يظل نصف الأطفال غير المستفيدين من التعليم الأولي متمركزين في العالم القروي، مما يكشف عن فجوة لا تزال قائمة بين التصورات والطموحات من جهة، والتنزيل الفعلي على الأرض من جهة أخرى.
الفوارق الاجتماعية والمجالية: عقبة أمام تطوير التعلمات
وشدد آيت منصور، على أنه رغم الارتفاع المسجل في نسب التعميم، فالفوارق المجالية والاجتماعية ما تزال تؤثر بشكل مباشر على تعلمات الأطفال وجودة تكوينهم في سن مبكرة. إذ تختلف ظروف وبيئات التعلم في المغرب بشكل واضح بين المؤسسات الحضرية الأكثر تجهيزا وارتباطا بالبنيات التحتية الأساسية، والمؤسسات القروية التي تعاني أحيانا نقصا في الموارد البشرية المؤهلة، وضعفا في البنيات، وغيابا للوسائل التعليمية الحديثة. وهذه الفوارق لا تؤثر فقط على بداية المسار الدراسي، بل تمتد آثارها إلى باقي مراحل التعليم.
التمويل: ارتفاع ملحوظ في الميزانية… فهل يكفي؟
وارتفعت الميزانية المخصصة لهذا المجال من مليار درهم إلى ثلاث مليارات درهم ما بين 2016 و2026، مع تسارع واضح في وتيرة الاستثمار منذ سنة 2022. ويعكس هذا التطور إرادة سياسية قوية ومعقولة لمواكبة الطلب المتزايد وتحسين جودة العرض التربوي. ومع هذا الارتفاع، ما يزال القطاع يواجه إكراهات، بينها الحاجة إلى تكوين وتأهيل مربين متخصصين، وتعميم البنية التحتية المناسبة. وضمان جودة متوازنة بين التعليم النظامي والتعليم الأولي غير النظامي أو التقليدي.
ارتفاع عدد المستفيدين: إنجاز مهم يحتاج إلى جودة موازية
ووصل عدد الأطفال المستفيدين من التعليم الأولي إلى حوالي مليون طفل من أصل 1.3 مليون في سن التمدرس. وهذه النسبة، رغم إيجابيتها، تطرح سؤالا أساسيا، هل تواكب الجودة هذا النمو الكمي؟ فالتعليم الأولي ليس مجرد إضافة مقعد دراسي، بل هو مرحلة حاسمة في تكوين المهارات اللغوية، والاجتماعية. والحركية والمعرفية التي تحدد مسار الطفل الدراسي لاحقا.
مكاسب واعدة… والمعركة الحقيقية هي الجودة والإنصاف
وسجل المغرب تقدما واضحا في تعميم التعليم الأولي، وهو تقدم يعزز المسار الإصلاحي الذي تتبناه الدولة. ولكن التحديات المتبقية —خصوصا الفوارق الاجتماعية والمجالية— تستدعي سياسات أكثر دقة وتركيزا على الجودة، وليس فقط على الولوج. فالتعليم الأولي ليس مجرد خطوة إدارية، بل استثمار في المستقبل. وإرساء لأساس المنظومة التربوية التي يراهن عليها المغرب لتحقيق تنمية شاملة.











