تحولات المهنة التعليمية بين منطق الإصلاح ومنطق الاستعمال: قراءة نقدية في أوضاع نساء ورجال التعليم

الحدث بريس24 فبراير 2026
الإصلاح ومنطق الاستعمال: قراءة نقدية في أوضاع نساء ورجال التعليم

تشهد المنظومة التربوية المغربية منذ عقود سلسلة من الإصلاحات المتعاقبة التي روج لها بوصفها مدخلاِ ضروريا لتحديث المدرسة العمومية والارتقاء بجودة التعلمات. غير أن الملاحظة السوسيومهنية الدقيقة تكشف عن مفارقة بنيوية صارخة بين خطاب الإصلاح ومآلاته الواقعية. حيث تحولت فئة نساء ورجال التعليم – في كثير من الأحيان – إلى أدوات تنفيذية معزولة عن دوائر القرار. بل إلى “متاريس” مؤسساتية و”جسور” وظيفية تستعمل لتمرير اختيارات تدبيرية فوقية تخدم توازنات بيروقراطية أو رهانات فئوية داخل القطاع، أكثر مما تخدم المصلحة التربوية العامة.

  1. من الفاعل التربوي إلى الوسيط التدبيري: انقلاب في الوظيفة

في التصور الكلاسيكي، يفترض أن يحتل المدرس موقع الفاعل المحوري في العملية التعليمية التعلمية، بما يمتلكه من استقلالية بيداغوجية وقدرة على تكييف المناهج وفق خصوصيات السياق. إلا أن السياسات العمومية التعليمية، في صيغتها المعاصرة، أعادت تعريف هذا الدور ضمن منطق تدبيري صرف. حيث جرى اختزال الوظيفة التربوية في مهام إجرائية محكومة بمؤشرات النجاعة الكمية، والتقارير الرقمية، ومنصات التتبع، والالتزامات الزمنية المعيارية.

لقد أفضى هذا التحول إلى تهميش البعد الإبداعي والإنساني للمهنة. وتعويضه بمنطق الامتثال الإداري. ما جعل نساء ورجال التعليم يتحولون تدريجيا إلى وسطاء بين قرارات مركزية متسارعة التنفيذ وسياقات مدرسية هشة. دون تمكينهم من آليات التفاوض أو المساهمة الفعلية في بلورة هذه القرارات.

  1. الإصلاح كآلية لإعادة إنتاج التراتبية المهنية

تظهر ديناميات تنزيل المشاريع الإصلاحية أن عددا من التدابير التنظيمية – رغم وجاهتها النظرية – تستعمل عمليا لإعادة تشكيل الحقل التربوي. وفق تراتبية جديدة تتيح لبعض الفئات المهنية أو الإدارية تعزيز مواقعها داخل منظومة اتخاذ القرار. ويتم ذلك عبر نقل عبء التفعيل الميداني إلى المدرس. الذي يطلب منه إنجاح مشاريع لم يستشر في تصميمها، وتحقيق أهداف لم توفر شروط تحققها.

في هذا السياق، يصبح الفاعل التربوي بمثابة “حاجز امتصاص” للتوترات الناتجة عن فجوة التخطيط والتنفيذ. حيث تلقى على عاتقه مسؤولية الاختلالات البنيوية. سواء تعلق الأمر بالاكتظاظ، أو نقص الوسائل، أو تعثر البرامج. وهكذا يتم توظيف حضوره الميداني كجسر يربط بين طموح السياسات المركزية وحدود الواقع المدرسي. دون الاعتراف بكلفة هذا الدور على استقراره المهني والنفسي.

  1. اقتصاد التعويضات: حين تعاد هندسة الامتياز داخل الحقل التربوي

بموازاة الخطاب الرسمي الذي يحمل نساء ورجال التعليم مسؤولية إنجاح الأوراش الإصلاحية. شهدت السنوات الأخيرة إعادة توزيع لافتة لمنظومة التعويضات المالية داخل القطاع. استفادت منها فئات بعينها من قبيل المتصرفين التربويين، والمفتشين، والموجهين التربويين. وغيرهم من الأطر التي تتموقع خارج الفضاء الصفي المباشر.

وقد جرى تسويغ هذه التعويضات – في الغالب – بمنطق التأطير والمواكبة والقيادة التربوية. غير أن المفارقة تكمن في كون جزء معتبر من هذه المكتسبات المالية قد تحقق في سياق نضالات جماعية خاضتها أساسا نساء ورجال التعليم لتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية. وبينما كانت المطالب المرفوعة تهم العدالة الأجرية، وتحسين شروط العمل، والاعتراف بالمجهود البيداغوجي اليومي. انتهت بعض مخرجات الحوار إلى تعزيز الحوافز المالية للفئات الإدارية والتأطيرية. دون أن يوازي ذلك تحسن ملموس في الوضع الاعتباري أو المادي للمدرس داخل الفصل.

إن هذا التحول ينتج ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الامتياز غير المتكافئ”. حيث تحول دينامية الاحتجاج الميداني إلى رافعة لإعادة ترتيب السلم التعويضي بما يخدم وظائف التدبير والإشراف. في حين يظل العبء التنفيذي للإصلاح – وما يرتبط به من مساءلة مجتمعية – ملقى على عاتق المدرس.

  1. البيروقراطية التربوية ومنطق التحييد الرمزي

إن تضخم الجهاز التدبيري داخل المنظومة التعليمية أسهم في إضعاف الصوت المهني لنساء ورجال التعليم، عبر تحويل مشاركتهم في النقاش التربوي إلى إجراء شكلي يفتقر إلى الأثر التداولي الحقيقي. كما أن تعدد المذكرات التنظيمية، وتواتر التوجيهات المتناقضة أحيانا، ينتج حالة من اللايقين المهني، تفقد الفاعل التربوي القدرة على بناء استراتيجيات بيداغوجية مستقرة.

يترتب عن هذا الوضع نوع من “التحييد الرمزي”، حيث يحتفى بالمدرس في الخطاب الرسمي بوصفه ركيزة الإصلاح، بينما يقصى فعليا من هندسة هذا الإصلاح. وتتعمق هذه المفارقة حين يستدعى المدرس لتحمل تبعات إخفاقات لا يملك سلطة تعديل شروطها الموضوعية.

  1. نحو إعادة الاعتبار للفاعل التربوي

إن أي إصلاح حقيقي للمنظومة التعليمية يظل رهينا بإعادة الاعتبار للمكانة المهنية لنساء ورجال التعليم، ليس فقط من خلال تحسين شروط العمل المادية، بل أساسا عبر تمكينهم من موقع شريك في اتخاذ القرار التربوي. ويتطلب ذلك الانتقال من نموذج الإصلاح المفروض إلى نموذج الإصلاح التشاركي، الذي يعترف بالخبرة الميدانية كمرجعية لا غنى عنها في صياغة السياسات التعليمية.

كما يقتضي الأمر تفكيك البنيات التدبيرية التي تحول المدرس إلى مجرد أداة لتنفيذ برامج جاهزة، والعمل على بناء ثقافة مؤسساتية قائمة على الثقة المهنية، والاستقلالية البيداغوجية، والمساءلة المتبادلة.

خاتمة

لقد آن الأوان لمساءلة منطق الإصلاح الذي يحمل نساء ورجال التعليم مسؤولية إنجاح مشاريع لم يكونوا شركاء في بلورتها، ويحولهم – عن وعي أو عن غير وعي – إلى متاريس مؤسساتية وجسور عبور لرهانات فئوية ضيقة. كما أن إعادة توزيع التعويضات المالية بشكل غير متوازن، بما يخدم فئات التأطير والإدارة على حساب الفاعل التربوي داخل الفصل، يعمق الإحساس بالغبن المهني ويقوض الثقة في جدوى الإصلاحات المعلنة. إن إنقاذ المدرسة العمومية يبدأ بإنصاف من يقفون في قلبها يوميا، لا باستعمالهم كوسائط لتدبير أزمات بنيوية تتجاوز صلاحياتهم. فبدون فاعل تربوي مصان الكرامة وممكن من القرار، يظل كل إصلاح مجرد إعادة إنتاج لأعطاب الماضي بأدوات جديدة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة