استمرار “الساعات التضامنية” بقطاع التعليم: قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي

الحدث بريس22 فبراير 2026
الساعات التضامنية: استمرار قنبلة موقوتة في قطاع التعليم تهدد السلم الاجتماعي

أصبح ملف “الساعات التضامنية” بقطاع التربية الوطنية في المغرب يشكل مادة دسمة للجدل القانوني والاحتقان النقابي، خاصة مع حلول شهر رمضان المبارك. فبينما تحاول وزارة التربية الوطنية الحفاظ على وتيرة الزمن المدرسي. تجد هيئة التدريس نفسها محاصرة بين “سندان” الالتزام المهني و”مطرقة” الخروقات القانونية التي استمرت لعقود دون سند تشريعي صريح وواضح.

ودفع هذا الوضع المتأزم نقابة الاتحاد الوطني للتعليم، المنضوية تحت لواء الاتحاد العام للنقابات الشعبية، إلى رفع صوتها عاليا. محذرة من “استنزاف” المدرسين وخرق المقتضيات الدستورية والقانونية التي تنظم ساعات العمل والعطل الرسمية.

جذور الأزمة: من “تضامن مؤقت” إلى “فرض دائم”

وتعود قصة الساعات التضامنية إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث تم إقرارها في سياق وطني واقتصادي خاص كإجراء انتقالي. غير أن “المؤقت” أصبح “دائما”، وتحولت هذه الساعات إلى عبء إداري وقانوني ثقيل. وتكشف المراسلات والوثائق أن الأصل في هذه الساعات كان تعويضها خلال أيام العطل الأسبوعية (الجمعة والأحد آنذاك)، لكن الواقع الحالي يظهر “تغولا” إداريا يلزم الأساتذة بالعمل يوم السبت. وهو ما يصطدم مباشرة بالمرسوم رقم 2.05.916، الذي يقر بوضوح أن السبت يوم عطلة رسمية لموظفي الإدارة العمومية.

لغة الأرقام: فوارق تثير الحنق

ولا تتوقف الأزمة عند الجانب الزمني، بل تمتد إلى الجانب المالي الذي يكشف عن تفاوتات “غير مفهومة” بين الأسلاك التعليمية. مما يذكي الشعور بـ “الحيف الطبقي” داخل القطاع الواحد. فوفقا للبطاقة التقنية المعمول بها. ونجد التوزيع التالي للتعويضات الأسبوعية عن هذه الساعات: فالسلك الابتدائي: 954 درهم، والسلك الإعدادي: 636 درهم، والسلك التأهيلي: 654 درهم.

ويطرح هذا التباين في الأرقام تساؤلات جوهرية حول المعايير التي اعتمدتها الوزارة في تحديد قيمة “ساعة العمل الإضافية”. وكيف يمكن تبرير هذا الفارق لمدرسين يبذلون مجهودا مضاعفا في ظل ظروف الصيام وضغط المقررات الدراسية؟

الساعات التضامنية: الكاتب الوطني يوضح

وأوضح الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للتعليم عز الدين أمامي في اتصال مباشر مع جريدة “الحدث بريس” الالكترونية في تصريح حصري شديد اللهجة يضع فيه النقاط على الحروف بخصوص هذا الملف: “إن ما يحدث اليوم في كواليس المديريات الإقليمية بشأن الساعات التضامنية هو ‘عبث إداري’ بامتياز. نحن في الاتحاد الوطني للتعليم نعتبر أن صمت الوزارة عن إصدار نص قانوني يؤطر ساعات العمل في رمضان هو محاولة للهروب إلى الأمام وترك المدرس في مواجهة مباشرة مع الإدارة دون درع قانوني.”

وأضاف أمامي لـ الحدث بريس: “لا يمكن أن نطالب الأستاذ بتجويد الأداء والارتقاء بالمدرسة العمومية بينما يتم السطو على يوم عطلته (السبت) تحت مسمى التضامن. إننا بصدد إعداد ملف ترافعي متكامل، ولن نتوانى عن سلوك كافة السبل النضالية والقانونية لإنهاء هذا ‘الريع الزمني’. رسالتنا للوزارة واضحة: إما قانون ينصف الجميع، أو العودة إلى الساعات الرسمية التي يقرها النظام الأساسي، وكفى من سياسة الشعارات التي تخفي خلفها واقع الاستغلال.”

المادة 15: الحد الفاصل بين الواجب المهني والتعسف الإداري

و أكد  المتحدث، بأن “المادة 15 تعتبر حجر الزاوية في السجال القانوني القائم، إذ تمثل “الحد الفاصل” بين الواجب المهني والتعسف الإداري. فبينما تصاغ المادة لتدقيق الغلاف الزمني والمهام المنوطة بهيئة التدريس، يتم استغلال ثغراتها أو القفز على منطوقها لفرض “ساعات تضامنية”. والذي يعتبر بمثابة “تزييف قانوني” يفرغ النص من محتواه الحمائي. إن الإشكال الجوهري في المادة 15 يكمن في محاولة الإدارة تأويلها كـ “شيك على بياض” للتصرف في الزمن الأسبوعي للأستاذ، في حين أن روح القانون تقتضي أن أي ساعة عمل خارج التحديدات الصريحة لهذه المادة تعد عملا إضافيا يستوجب سندا قانونيا جديدا وتعويضا منصفا، وليس مجرد استمرارية لممارسات عرفية تعود لزمن “التقويم الهيكلي“.

و ختم الاتصال بالقول، أنه “لا علاقة قانونية و لا تنظيمية بين ساعات التدريس وبين عدد ساعات التعليم، لأن تحديد ساعات عمل الموظف هو اختصاص تنظيمي محض“.

التبعات الإدارية والتربوية: هل تضحي الوزارة بالجودة؟

ويرى مراقبون للشأن التربوي أن الإصرار على العمل بالساعات التضامنية دون غطاء قانوني يؤدي إلى نتائج عكسية تماما: أولها الارتباك التنظيمي: فتضارب المذكرات الوزارية مع الممارسة الميدانية يخلق نوعا من “الفوضى” داخل المؤسسات، حيث يجد المديرون أنفسهم في حرج بين تطبيق تعليمات شفهية أو الالتزام بنصوص قانونية. كذلك الاحتراق المهني: فالعمل لساعات إضافية في شهر رمضان، خاصة في المناطق النائية والقروية، يؤدي إلى استنزاف بدني ونفسي حاد للأطقم التربوية، مما ينعكس سلبا على مردودية التلاميذ. بالاضافة لفقدان الثقة: فاستمرار الوزارة في نهج “الغموض” يقيض الثقة بينها وبين المركزيات النقابية. ويهدد بنسف المكتسبات التي حققها الحوار الاجتماعي الأخير.

الساعات التضامنية.. نحو مخرج للأزمة

ويؤكد الخبراء في مجال التعليم، في أن الحل يكمن في شجاعة سياسية من جانب وزارة التربية الوطنية لإصدار مرسوم أو قرار وزاري واضح يحدد بشكل نهائي ساعات العمل، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية شهر رمضان. ومراجعة منظومة التعويضات لتكون عادلة ومنصفة.

ويبقى السؤال المعلق: هل ستستجيب الوزارة لنداءات العقل والقانون. أم أن ملف “الساعات التضامنية” سيبقى مسمارا في نعش العلاقة بين الوزارة وهيئة التدريس؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

أخبار عاجلة