،يضع المغرب, في ظل التسارع التكنولوجي العالمي واحتدام التنافس حول الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي في صلب استراتيجيته التنموية، باعتباره رافعة أساسية للتحول الرقمي وخلق فرص شغل جديدة. ومع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، يرتفع سقف الطموح إلى إحداث نحو 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر خلال السنوات المقبلة. لكن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بشروط علمية ومؤسساتية واقتصادية دقيقة.
الذكاء الاصطناعي: من خيار تقني إلى رهان استراتيجي
ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تكنولوجيا مساعدة، بل تحول إلى عنصر حاسم في إعادة تشكيل الاقتصاديات الحديثة. وفي هذا السياق، تراهن المملكة على بناء منظومة متكاملة قوامها الرأسمال البشري، والابتكار، وربط التكوين الجامعي والمهني بحاجيات القطاعات الحيوية، وفق ما تؤكده سناء الفيلالي، نائبة عميد كلية العلوم ابن مسيك بجامعة الحسن الثاني.
وترى الفيلالي أن الاستراتيجية الوطنية لا تقتصر على إدماج الأدوات التكنولوجية. بل تهدف إلى إرساء أسس بيئية متكاملة قادرة على إنتاج القيمة وخلق فرص شغل حقيقية ومستدامة.
الرياضيات وهندسة البيانات: الأساس العلمي لوظائف الغد
ويشكل التكوين العلمي المتين حجر الزاوية في ولوج مهن الذكاء الاصطناعي. فحسب الخبراء، تظل الرياضيات والإحصاء القاعدة الصلبة لبناء النماذج الذكية، إلى جانب التحكم في تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق، التي باتت تستعمل في تحليل المعطيات، ومعالجة اللغة الطبيعية، والرؤية الحاسوبية.
وتبرز هندسة البيانات كعنصر محوري لا غنى عنه، إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يشتغل دون معطيات منظمة، موثوقة وآمنة، ما يفتح آفاقا واسعة أمام كفاءات متخصصة في قواعد البيانات، والبيانات الضخمة. ومعالجة المعطيات.
بنية رقمية متكاملة: من الحوسبة السحابية إلى الأمن السيبراني
ويفرض الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التكوين العلمي، متطلبات تقنية عالية، أبرزها الحوسبة السحابية والأمن السيبراني. فهذه المجالات تضمن تشغيل الأنظمة الذكية على نطاق واسع، وتحمي المعطيات الحساسة. سواء داخل المؤسسات العمومية أو الخاصة.
ويرى خبراء أن غياب بنية تحتية رقمية مستقلة، خاصة على مستوى مراكز البيانات، قد يحول دون تحقيق السيادة الرقمية، ويجعل المغرب تابعا لحلول خارجية. ما يحد من قدرته على استثمار كفاءاته الوطنية بشكل فعّال.
تكوين متعدد المستويات لمواكبة التحول
وتسعى الاستراتيجية الوطنية، حسب الفيلالي، إلى تطوير مسارات تكوين متعددة، تشمل تكوينات جامعية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأنظمة الذكية، إلى جانب تكوينات مهنية وتقنية قصيرة لإعداد مطوري ومحللي بيانات، فضلا عن التكوين المستمر لفائدة الأطر والموظفين لمواكبة التحول الرقمي.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي حكرا على المتخصصين في الإعلاميات. بل أصبح أداة عرضانية تمس مختلف التخصصات والمهن.
قطاعات واعدة وفرص تشغيل غير تقليدية
وتشمل القطاعات الأكثر قابلية لاستيعاب حلول الذكاء الاصطناعي بالمغرب قطاع الصحة، عبر تحسين التشخيص وتحليل الصور الطبية، والقطاع المالي والبنكي في تدبير المخاطر ومحاربة الاحتيال، والإدارة العمومية والدفاع لدعم اتخاذ القرار، والفلاحة من خلال تطوير الفلاحة الذكية وترشيد الموارد المائية. ثم السياحة عبر تحسين تجربة السائح والتسويق الذكي للوجهات.
من الاستراتيجية إلى السوق: معركة التنفيذ
وأكدت هاجر مصنف، الأستاذة الباحثة بجامعة القاضي عياض، أن خلق مناصب شغل حقيقية يظل مرتبطا بتحويل الاستراتيجية إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع. فالتشغيل، في نظرها، لا يتحقق دون وجود طلب فعلي داخل السوق.
وشددت على ضرورة أن تضع كل وزارة وكل قطاع خارطة طريق واضحة، مدعومة بميزانيات محددة ومؤشرات دقيقة لتتبع تقدم المشاريع، مع دور محوري للدولة كمحفز. وذلك عبر إطلاق طلبات عروض سنوية وتكوين فرق تقنية محلية تضمن نقل المعرفة واستيعاب الكفاءات الوطنية.
الشراكة والبحث العلمي: مفتاح السيادة الرقمية
ويرى الخبراء أن تحقيق السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي يمر عبر تعزيز الشراكة بين القطاع الخاص والمؤسسات الجامعية، للاستفادة من البحث العلمي وتحويله إلى حلول عملية. فالذكاء الاصطناعي، كما تؤكد مصنف، ليس مجرد “معلوميات”، بل مجال عابر للتخصصات. يستوجب إدماجه في مختلف المسارات التعليمية لتمكين الطلبة من تطوير مجالات اشتغالهم مستقبلا.
ويمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استراتيجية للمغرب لإعادة تشكيل سوق الشغل وفتح آفاق جديدة أمام الشباب، لكن نجاح هذا الرهان يظل مشروطا بالاستثمار في التكوين العلمي، والبنية التحتية الرقمية، وربط الاستراتيجية بالاقتصاد الحقيقي. وبين الطموح والإنجاز. يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من الرؤية إلى التطبيق.











