أبرزت حقائق حاسمة بشأن تندوف وغار جبيلات، أنهما كانتا مناطق غير محسومة السيادة، وأن موقف الجزائر من الصحراء المغربية كان متوافقا مع المغرب آنذاك باعتبارها أرضا محتلة يجب تحريرها من الإسبان، وأن الاستغلال المشترك للمنجم دليل على الوضع القانوني الانتقالي للمنطقة، فيما المغرب اختار التعاون بدل المواجهة رغم امتلاكه أساساً قانونياً قوياً.
وأفادت جريدة The New York Times أن لقاء تلمسان بين الرئيس الجزائري هواري بومدين والملك الحسن الثاني في 31 ماي 1970 كشف أن الحدود بين البلدين لم تكن مرسمة نهائيا، وأن الخرائط الاستعمارية الفرنسية كانت المرجع الأساسي لترسيم الحدود، ما يوضح أن أي سيادة جزائرية على تندوف وغار جبيلات لم تكن محسومة بعد، وأن كل الاتفاقات كانت قائمة على التنسيق المشترك مع المغرب.
نزاع حدودي مؤجل… ومناطق لم تكن تحت سيادة محسومة
وأكدت الصحيفة، أن الجزائر والمغرب توصلا إلى “تسوية لنزاع حدودي”. مما يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن منطقة تندوف. بما فيها منجم غار جبيلات، لم تكن أرضا محسومة السيادة للجزائر كما تدعي اليوم، بل كانت، في الواقع، منطقة خاضعة لتفاوض سياسي حساس. بل وأكثر من ذلك، فإن الاتفاق على “الاستغلال المشترك” للمنجم يكشف بوضوح أن السيادة لم تكن منفردة لأي طرف. وإنما كانت محكومة بوضع قانوني انتقالي.
الاعتماد على الخرائط الاستعمارية… مؤشر آخر على غياب الترسيم النهائي
وأشارت إلى أن الطرفين اتفقا على تشكيل لجنة لترسيم الحدود “استنادا إلى الخرائط التي أعدها المستعمر الفرنسي”، وهو ما يعني، بطبيعة الحال، أن الحدود لم تكن نهائية ولا دقيقة ولا محل اعتراف سياسي متبادل. وتكشف الصحيفة أن الخرائط نفسها كانت تضع الحدود الجنوبية للمغرب في منطقة تندوف في وضع غير محدد بدقة. ما يؤكد مجدداً أن الوضع كان مفتوحاً على كل السيناريوهات.
غار جبيلات… منجم مشترك ومسارات تصدير تمر عبر المغرب
وذكرت الصحيفة أن البلدين كانا يدرسان نقل الحديد نحو الساحل الأطلسي عبر المغرب أو عبر الصحراء التي كانت تحت الاستعمار الإسباني. وهذا، في حد ذاته، دليل قاطع على أن المنطقة كانت مرتبطة اقتصاديا بمجال جغرافي أقرب إلى المغرب منه إلى الجزائر. وإلا فلا معنى لمناقشة تصدير الخام عبر المغرب. وعليه، يصبح من الواضح أن المنطقة لم تكن مدمجة بشكل كامل داخل المنظومة الترابية والسيادية الجزائرية.
موقف الجزائر من الصحراء سنة 1970… اعتراف صريح بمغربيتها تحت الاحتلال الإسباني
وتتبدى الحقيقة الصادمة أن الجزائر لم تذكر شيئا عن “تقرير المصير” ولا عن “شعب صحراوي”، بل كانت تعتبر الموضوع نزاعا مغاربيا ضد احتلال إسباني، تماما كما كان يرى المغرب. وهذا يعني أن الخطاب الجزائري الحالي ليس سوى خطاب مستجد. لا علاقة له بموقف الدولة آنذاك.
قبل ترسيم حدود 1972… تلمسان تفاوض على منطقة غير محسومة
وجاءت كل هذه المعطيات قبل توقيع اتفاق الحدود سنة 1972، ما يدل بشكل قاطع على أن الجزائر كانت واعية تماما بأن وضعية تندوف وغار جبيلات كانت غير محسومة. وبعد سنتين فقط، وبعد أن حصلت على ترسيم الحدود لصالحها، تغییر الموقف بزاوية 180 درجة. وبدأت في إعادة صياغة الرواية التاريخية بطريقة مناقضة للحقائق التي وثقتها الصحافة الدولية آنذاك.
الأساس القانوني المغربي… ورغم ذلك اختار الرباط التعاون بدل المواجهة
ويمتلك المغرب سندا قانونيا قويا لاسترجاع منطقة تندوف عبر التحكيم الدولي. لكونها كانت جزءا من السيادة المغربية حتى سنة 1962، حين كان آخر قائد مغربي فيها هو السنهوري. إلا أن المغرب، رغم هذا السند، اختار نهج التعاون المغاربي وفتح صفحة جديدة مع الجزائر بدل التصعيد، إيمانا بمنطق التكامل الإقليمي. وذلك رغم أن هذا الخيار استغل لاحقاً ضده.
تلمسان..وثيقة تهدم السرد الجزائري وتعيد التاريخ إلى مساره
وتكشف وثيقة تلمسان 1970، بكل تفاصيلها، أن: أولا، تندوف وغار جبيلات كانتا مناطق غير محسومة السيادة. وبالتالي لم تكن ملكية أي طرف محدد بالكامل. ثانيا، الاستغلال المشترك للمنجم يعد دليلا واضحا على الوضع القانوني الانتقالي للمنطقة. ما يعزز فكرة أن القرارات كانت مؤقتة وبحاجة إلى تنسيق مستقبلي. علاوة على ذلك، الصحراء المغربية كانت في نظر الجزائر أرضا محتلة يجب تحريرها، وليس منطقة مؤهلة للانفصال، وهو ما يوضح التوافق التاريخي بين البلدين في تلك المرحلة.
وغيرت الجزائر موقفها جذريا بعد 1972، بعدما انتزعت ترسيم الحدود لصالحها، مما أدى إلى إعادة صياغة الرواية الرسمية لاحقاً. بينما، المغرب امتلك أساساً قانونياً قوياً للطعن، لكنه اختار منطق التعاون بدل المواجهة، محافظا على خيارات سياسية واعية لمصلحة الاستقرار الإقليمي. وبذلك، يصبح واضحاً بالنتيجة أن رواية الجزائر الحالية مجرد بناء سياسي لاحق، لا يستند إلى الوقائع التاريخية الحقيقية. وبالتالي فإن الحقيقة التي تكشفها الوثيقة الأمريكية تقلب الطاولة على السرد الرسمي المعتمد منذ منتصف السبعينيات.













