فوضى النقل المزدوج تعكس غياب رؤية استراتيجية شاملة

الحدث بريس..26 مارس 2026
النقل السري… حلّ واقعي أم تكريس للفوضى؟

كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن اختلالات عميقة تضرب قطاع النقل المزدوج بالمغرب، وهو القطاع الذي ظل لسنوات شريانا حيويا يربط القرى بالمراكز الحضرية، قبل أن يتحول اليوم إلى نموذج للفوضى وسوء التدبير، في ظل تدبير وزارة النقل واللوجيستيك بقيادة عبد الصمد قيوح.

اختلالات بنيوية في النقل تكشف ضعف الحكامة

أبرز التقرير، في مستهل معطياته، أن حظيرة النقل المزدوج لا تضم سوى 1341 مركبة نشطة من أصل 3658 رخصة ممنوحة، وهو ما يعكس معدل استغلال ضعيف لا يتجاوز 36 في المائة. ويؤكد هذا الرقم، بشكل مباشر، وجود خلل هيكلي في تدبير القطاع، حيث تظل آلاف الرخص غير مستغلة أو مجمدة في ظروف غير واضحة.

وفضلاً عن ذلك، سجل التقرير ارتفاعا مقلقا في متوسط عمر المركبات، الذي يصل إلى 23 سنة، وهو ما يطرح، بشكل ملح، إشكالات السلامة الطرقية وجودة الخدمة، إلى جانب التأثيرات البيئية السلبية. كما أظهر التوزيع الجغرافي للمركبات تفاوتات صارخة بين الجهات، إذ تعاني بعض مناطق الجنوب من شبه غياب لهذه الخدمة، مقابل تمركزها بشكل كبير في جهات مثل درعة-تافيلالت ومراكش-آسفي.

الريع والامتيازات… وجه آخر للأزمة النقل

في سياق متصل، لم تقف الاختلالات عند حدود الأرقام. بل امتدت لتشمل ما يوصف داخل القطاع بظواهر الريع والزبونية. إذ كشفت معطيات متطابقة عن انتشار ما يعرف بـ“الفراقشية” داخل بعض المديريات. في إشارة إلى منح امتيازات غير مستحقة لفائدة مقربين وأصحاب ولاءات سياسية، بعيداً عن معايير الكفاءة والاستحقاق.

وتبرز هذه الممارسات، بحسب متتبعين، عجز الإدارة عن إرساء قواعد حكامة شفافة. وهو ما ينعكس سلبا على فعالية البرامج الإصلاحية. كما يسهم هذا الوضع في تكريس حالة من فقدان الثقة داخل القطاع. ويعمق من مظاهر الفوضى التي تعيق أي تحول حقيقي.

برامج إصلاح شكلية ومعاناة مستمرة في القرى

من جهة أخرى، ورغم إعلان وزارة النقل واللوجيستيك عن إطلاق برامج لإعادة هيكلة القطاع وتجديد الحظيرة. إلا أن الواقع الميداني يكشف، وفق مصادر متطابقة، عن محدودية أثر هذه المبادرات. إذ لا تزال غالبية المركبات قديمة ولا تستجيب لمعايير السلامة. بينما يلاحظ أن الاستفادة من برامج الدعم تظل محصورة في فئات محددة.

ويأتي هذا الوضع في ظل جدل أثارته تصريحات سابقة لـعبد الصمد قيوح؟ حين اعتبر أن النقل السري، أو ما يعرف بـ“الخطافة”، يجب أن يستمر. وهو ما فسر على أنه تساهل مع القطاع غير المنظم، على حساب تنظيم النقل وضمان شروط السلامة للمواطنين.

في المقابل، تتواصل معاناة سكان العالم القروي، الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على النقل المزدوج للوصول إلى الخدمات الأساسية. من تعليم وصحة وإدارة. ومع غياب بدائل فعالة، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيارات محدودة. غالبا ما تكون غير آمنة أو مكلفة.

وفي المحصلة، يعكس واقع النقل المزدوج بالمغرب أزمة أعمق في تدبير السياسات العمومية المرتبطة بالنقل. حيث تستمر الاختلالات البنيوية والاختيارات المحدودة في تكريس الفوارق المجالية. بدل معالجتها ضمن رؤية استراتيجية شاملة تضمن العدالة المجالية وجودة الخدمات

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :‫‫عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.